فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 566

الخلاف الفقهيّ قديم كما نرى، والأساس الشرعيّ لكل مذهب قائمٍ؛ مَن شاء تَبِعَ هذا فأكَل ولا حرَج ومَن شاء تَبِعَ هذا فامتَنَع ولا حرَج. ولا أشتغل بمَزيدٍ من عرَض الأدلة المُتقابِلة لا تأييدًا ولا تنفيذًا، فوراءَ هذه القضية أمر آخر يتصل بالسلوك الإسلامي العام أو يتصل بحاضر المسلمين ومُستقبلهم؛ لماذا عجَزوا عن تنميتها وتكثيرها في بلادهم؟ هل تربية الأبقار والدجاج تحتاج إلى أخصائيين في علوم الذَّرَّة؟ وعندما تُصاب قدرات المسلمين بالشلل في مجال الثروة الزراعية والحيوانية فهل يُنتظر لهم تفوُّق أو نجاح في الميادين الأخرى، برًّا وبحرًا وجوًّا؟ إن الحماس في عالَم الجدَل مرضٌ عفِنٌ إذا صحبه بُرُود في عالَم الإنتاج، وقد رأيتُ التديُّن التقليديَّ يَتَّسم بهذه الخاصة المُزعجة، قصورٌ في فهْمٍ أو في عَرْض وِجهات النظر المختلفة، ثم تَراشُقٌ بالتُّهم وتبادُلٌ لسُوء الظن، فإذا تطلَّب الإيمانُ ضرورةَ اكتفاء الأمة بمَواردها واستغنائها عن سِواها تَبخَّرَ الحماس وخلَا الميدان.

لستُ مِن هُواة التغلغُل في الفروع الفقهية، فإن أصول العقيدة والأخلاق والتشريع تَهُمُّني وتستغرق وقتي، وما أنظر في الأمور الفرعية إلا بمِقدار ما أجمع به الشمل وأمنع الفُرقة وأُقصي المُتزمِّتين والمَعلولين عن أماكن الصدارة.

إن حاجة المسلمين إلى القمح لصُنع الرغيف، أو إلى الدواء لعلاج العلل، أو إلى اللحوم ميتةً أو حيةً شيءٌ في نظري يُهدد عقائدهم ذاتها ويجعلهم يعيشون عالةً على أهل الأرض. فهل نُوجِّه قُدرتنا على الكلام والاعتراض إلى عملٍ إيجابيٍّ أم تَبقَى مهمةُ بعض المُتديِّنين الطعنَ في الدواء لأنه ذائب في"الكحول"ورَفْضَ اللحم المستورد لأن ذكاءه مَوْضع رِيبة؟ ثم ينتهي دورهم. إنني أُقدر النِّيَّة الحسنة لكل مَن شارك في هذا البحث، ولكن الطريق لمَّا يُمهَّدْ بعدُ لعملٍ جادٍّ تتحرك به أمةٌ كَسُول!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت