قد يُقال: إننا نعلم بيقينٍ أن مِن أهل الكتاب مَن يَذبح باسم الصليب، أو مَن يَخنِق الطيور، أو من يَهوِي بمِثْقَل على أمِّ رأس الحيوان فيقتلُه، فكيف نَطعَم شيئًا من ذلك؟
قلت للسائل: هذا بحث قديم، وقد اختلف الفقهاء فيه؛ فمنهم من أدرَج هذه الصورَ المَحكية تحت عنوان"ما أُهلَّ لغير الله به"أو تحت عنوان"المُنخنِقة"أو تحت عنوان"المَوقوذة"واستثناها مِن ذبائح أهل الكتاب المباحة. ومن الفقهاء من جعلها مِن ذبائح أهل الكتاب المباحة بالنص واستثناها من المُحرَّمات السابقة، وقال: الله أعلم ـ إذ أباح أطعمتهم ـ ما يقولون وما يفعلون. مِن هؤلاء الفقهاء مالك ـ رحمه الله ـ فقد جاء في"المُدوَّنة"أنه سُئل عمَّا ذبحوه للكنيسة أو غيرها فقال: أَكرَهُ ذلك ولا أُحرِّمه! إن الله أباح لنا ذبائحهم وقد عَلِم ما يفعلونه. وقال القاضي ابن العربيّ المالكيّ في كتابه"أحكام القرآن"عند تفسير قوله تعالى: (...أُحِلَّ لكمُ الطيباتُ وطعامُ الذين أُوتُوا الكتابَ حِلٌّ لكم) قال: وسُئلْتُ عن النصرانيِّ يقتل عُنق الدجاجة ثم يَطبُخها؛ هل يجوز أن نأكل معه منها؟ فقلت: نعم كُلُوا منها؛ فإنها طعام أحبارهم ورهبانهم، وإن لم تكن هذه الطريقة ذكاةً عندنا، ولكن الله أباح لنا طعامهم مُطلقًا.