إن للنجاح الحقيقيّ أساسًا لا يتغير، هو النفس الإنسانية، فإذا استقرَّ هذا المِهاد لم يبقَ شيءٌ ذو بالٍ، وقد كان محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعرَفَ إنسانٍ بهذه الحقيقة، فاتَّجَهَتْ جُهوده كلها قبل أي شيء إلى داخل الإنسان تَصُوغه وتَضبطه وتطمئن إلى قراره ومَساره، وهو يعرف أن هذا الإنسان سوف يَفرض نفسه على بيئته يومًا عندما تَنزاح العوائق مِن أمامه. ولم يُحاول قطُّ الاصطدام بالأسوار الخارجية قبل استكمال هذا الداخل المهم، ومن ثَمَّ ترك الأصنام منصوبةً حول الكعبة عشرينَ سنةٍ، لم يُهَشِّمْ واحدًا منها في معركة طائشة، بل الثابت في سيرته أنه طاف في عُمرةٍ في السنة السابعة حول الكعبة، والأصنامُ جاثمةٌ حولها، وفي الأوضاع التي كانت عليها من بدء الدعوة. أكان ذلك بَقِيًّا عليها أو توقيرًا لها؟ كلَّا، لقد كان يعلم أن لها أجَلًا لا ريب فيه، وأنها عن قريب أو بعيدٍ ستَتحوَّل جُذاذًا. ومَن الذي يقوم بهذا التحويل الحاسم؟ الرجال الذين استناروا مِن الداخل وتربَّوا على التوحيد الحق. لقد عرفوا أن الذباب أقوى مِن هذه الأصنام، وأنها لا تثبت في معركة معه، ألم يَتْلُوا قوله تعالى: (يا أيُّها الناسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لهُ إنَّ الذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا ولوِ اجْتَمَعُوا لهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالِبُ والمَطْلُوبُ) (الحج: 73) فليتربصوا بهذه الأصنام يومًا لا ريب فيه دون استعجال، وليهتموا بداخلهم يتعهدونه، فهو الوُجود الآتي مع الغد.
ويتساءل الناس: ما هذا التعهُّد الشاغل المهم؟