فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 566

ونقول: هو تعهد الوعي ليكون صحيحًا، والباطن ليكون نظيفًا، والخُلُق ليكون عظيمًا، والإخاء ليكون وَثيقًا، والهدف ليكون واضحًا، فالأمم لا تُبنَى بالصور وإنما تُبنى بالحقائق. إن المنافقين أحسن الناس إتقانًا للمَراسم، وقُلوبُهم هواء، أما المؤمنون فإن نُضْجَ نفوسهم، وزكاة سرائرهم، هما سِرُّ عظمتهم وسر مَآلِ الأمور إليهم.

ولا يُعرف في تاريخ الهداة رجلٌ مثل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحْسَنَ صَوْغَ النفوس وإيقاظَ مَلَكاتها وإدارتها بأعظَمِ ما فيها مِن طاقة، وجعلها تَدْفع ولا تندفع، وتُؤثر ولا تتأثَّر.

فهل نحن ـ الدعاةَ المُنتَمِين إليه ـ نفهم هذا المنهج ونلتزم مَنطقه؟

إن المُوجِّهين اليابانيين كانوا أذكَى منَّا وأقدْرَ في مواجهة المشاكل وهزيمة الصعاب. نظرتُ بحسرة إلى"الخُلُق الفرديّ"في الإفادة من التقدُّم الصناعيّ العالَميّ!

ما هذا؟

هذا شابٌّ يقود سيارةً فارهة، تنهب الأرض نهْبًا، ينزل منها بأناقة وكبرياء، ويرمق الشارع بنظرةِ استعلاءٍ، يشتري بعض السلع ثم يَمتطي سيارته ويعود من حيث جاء، إنه ما زاد من الناحية الإنسانية شيئًا عن الأيام التي كان سَلَفُه يمشي فيها حافِيًا أو مُتنعلًا، وما تَشْرُفُ به أمته ولا أسرته.

وهذا عاملٌ قادم مِن وادي النيل، ماذا حمَل إلى وطنه؟"فيديو"! إن المسكين جمَّد عرق جَبينه وإرهق أعصابه في هذا الجهاز المُسلِّي، وسيحمله مُنتصب القامة والهامة؛ لأنه أصبح به أرفعَ مُستوًى، وما درى المسكين أنه بما يحمل نقَص وما زاد!

العرب في الحضارة الحديثة شعوب مُستهلِكة تتنافس الدول الصناعية على إلهائها بالأدوات البرَّاقة والمُخترعات المُريحة. والدعاة لا يدرون كيف يَستنقذون أمتهم المَخروبة من هذه الأوضاع القاتلة؛ لأنهم لا يتَّجهون إلى داخل الإنسان المسلم، يُحركون ما توقَّف مِن أجهزته، ويُنيرون ما أظلم من مصابيحه، إنهم يتحركون نحو الظاهر القريب أو تحته بقليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت