فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 566

إن قُدرة أُمَّة ما على الصدارة في الأرض، أو توريث أمةٍ ما قيادةَ العالَم كما يُعبِّر القرآن الكريم لا يَجيء بين عشيَّة وضُحاها، ولا يَتِمُّ بخصائصَ سهلةٍ، لا، أن له صلاحياتٍ مُعينةً أومأ إليها الوحي في قوله سبحانه: (ولقدْ كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِن بعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: 105) .

لا تظن المدى قريبًا بين ما قصَّه القرآن الكريم عن ذُلِّ بني إسرائيل قديمًا وبين تمكينهم في الأرض بعد ذلك، عندما توعَّد فرعونُ قومَ موسى وجاء على لسانه: (سَنُقَتِّلُ أبْنَاءَهُمْ ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وإنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف: 127) قال موسى لقومه: (اسْتَعِينُوا باللهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرضَ للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ والعَاقبةُ للمُتَّقِينَ) (الأعراف: 128) ومرت السنون وتغيَّرت الأوضاع (وأَوْرَثْنَا القومَ الذينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرضِ ومَغارِبَهَا التي بارَكْنَا فِيهَا) (الأعراف: 137) إن ذلك كله لم يتمَّ في أيامٍ قلائلَ، إنه استغرق عشرات السنين، حتى أمكن وَفْقَ سُنن الله الاجتماعية أن يُرزَقَ العبيدُ أخلاقَ السيادة الحقيقية.

والواقع أن العرب أيام البعثة تعهَّدَتْهم بالصَّقْل والتهذيب يدُ صَنَاعٍ، ومَضَت بهم في طريق المجد نُبوَّةٌ مُلهِمة، نبوة حوَّلت الماء والطين إلى أزهار ورياحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت