فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 566

وأما المسلمون فقد أوغَلُوا في البعد عن دينهم حتى أمْسَوا في وادٍ ودِينُهم في وادٍ آخر!

التفكير الذي هو فريضةٌ عليهم حسَب وصية الكِتابِ تحوَّل إلى تقليدٍ وجُمود، وإذا عرَضَ له نشاطٌ ففي ما وراء المادة لا في المادة نفسها، كما شَكَوْنَا مِرارًا. ومفاخر الحياة الإسلامية تلاشَتْ، فإذا قال شوقي:

فالدِّينُ يُسْرٌ والخِلافَةُ بَيْعَةٌ والأَمْرُ شُورَى والحُقُوقُ قَضَاءُ!

وجدتُ التاريخَ في أعصُرٍ شتى يُؤكد أن الأمرَ استبدادٌ، والخلافةَ اغتصابٌ، ويُسْرَ الشريعة رياءٌ وتعقيد، والحقوقَ دعاوَى"مِن النَّابِ والظُّفُرِ برهانُها"!

على حين ظهرت الحضارة الحديثة بأساليبَ ثقافيةٍ وإداريةٍ أدنَى إلى الفطرة والشورى والاختيار الحرِّ، وإن شابَها ما لابَسَها مِن هوًى جامعٍ وإسرافٍ كثير.

وصلاح الحياة لا يتمُّ بهدم الباطل لأن الباطل جدير بالزوال! كلَّا، لابد أن يكون الحقُّ تامَّ الاستعداد ليحلَّ محلَّه، ويُؤدِّيَ عملَه بقُدرةٍ أعظَمَ وأشرَفَ.

وأعترف بأن المسلمين لم يَستكملوا هذه الخصائص ولا هم اليومَ أهلٌ لتلك القيادة. الحضارة الحديثة نَسِيَتِ اللهَ كلَّ النسيان، ولم تأخذ أيَّةَ أُهْبَةٍ للقائه، إنها تعبد اليوم الحاضر وتَجْحَد ما وراءه، وتعبُد الجسد وتُغالي بمَطالبه وحدها. ونحن باسم الإسلام نقاوم هذا الاتجاه الزائغ ونرفضه جملة وتفصيلًا.

أما الاقتدار العلميُّ وتسخيره لتنعيم الإنسان وتكريمه فنحن مُعجبَون به، كذلك نحن مُعجَبون بالقُدرة التنظيمية التي جعلت الإدارة فَنًّا رفيع المُستوى، وأبدَعَتْ أساليبَ لمَنْع الطغيان الفرديِّ والهَوان السياسيّ، وإن كان الغربيُّون جعلوا الثمار حِكْرًا على الرجل الأبيض.

ولا أَسْتحِي مِن أن أُسائلَ نفسي وقومي: أينَ كُنَّا حين استخرج الأُوربيون النِّفْطَ مِن أرضنا؟ ماذا كُنَّا نَصنع؟ وأيَّة ثقافة كانت تملأ أدمِغَتَنا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت