فهرس الكتاب

الصفحة 532 من 566

أُؤكد، وأنا مِن علماء الدِّين، أن الصحابة تجهل تِسعة أعشار الفِكْر الدينيّ الذي شَغَلَنا ونِمْنَا فيه وصَحَوْنَا عليه!

وأُؤكِّد أن نُظُم الحُكم في بلادنا كانت أشبه بنُظم الحكم في فارس والروم على عهد سلفنا الفاتح العادل الذكِيِّ.

وأُؤكد أن اللغة العربية في الجاهلية الأُولى كانت أضْوَأَ وأنصع منها في الأعصار النكِدة الأخيرة.

إن مُجدِّدي الإسلام بذَلوا جُهودًا جبَّارة ليَعود إلينا الوعي الغائب! ومِن عجَبٍ أن البعض الآن يَفتح فمَه لسَبِّهِمْ ويَنتقِص أقدارهم، إننا لم نَسْتَشْفِ بعدُ من عِلَلِنَا‍!

وقد مضت حضارة الغرب في طريقها لا يُثنيها شيءٌ، غير أن الاستغراق في الدنيا لا يُحقق الخير لا للفرد ولا للمُجتمع، وقد كرَع"أبو نواس"من اللَّذَّة حتى آخرَ قطْرةٍ، ثم استيقظ مِن سَكْرته يقول:

إذا عرَف الدنيا لَبِيبٌ تكشَّفتْ لهُ عن عدوٍّ في ثِيابِ صَدِيقٍ!

وكذلك يفعل الخرابُ الرُّوحيُّ وخَوَاءُ الإيمان بأوربا وأمريكا. إن الجماهير تَشْعرُ بالقلَق والضيق، ولْأُثبِتْ هنا كلمةَ للأديب الكبير الأستاذ"أحمد بهجت"كتبها وهو يزور"لندن"يُصور أثر هذه الحضارة، قال:

"عيون الناس هنا مُلوَّنة، وبَشَرَتُهم كشمعٍ مَسْقِيٍّ بالدم، وابتساماتهم حاضرة وجاهزة لكلِّ نظرة وأيِّ سؤال، رغم ذلك ثَمَّةَ طَيْفٌ غامضٌ مِن الكآبة يَلُوحُ وراء ألوان العُيون والبشَرة، ويَتبدَّى في هذا الصمت الذي يَغْرَقُون فيه حين يَركَبون المترو أو الأتوبيس."

هنا لا حدَّ لجمالِ الناس، ولكنه جمالٌ يُشْبِه جمالَ الجُزُر المُنعزلة في المُحيط، إن صفحة المياه الزرقاء تمتدُّ بصَمْتِها الفاجِع وتُحيط بالجزر مِن جميع الجهات.

رغم العُزلة المُرشحة ينهض الجمال، ويكتسب الجمال شُحوبة من العُزلة النفسية، حتى لَتَعكس أغوارُ العيون قلَقًا يبدو وسَط يُسْرِ الحياة وسُهولتها مثل حُزْنٍ غير مفهوم في عُرسٍ مِن أعراس الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت