بالنسبة لكثير مِن الشرقيين تبدو"لندن"عاصمةً مُبهجةً في الصيف، هي سوق عظيمة للمرَح والمتعة والجمال والثياب واللهو والحرية. كيف تُفسر إذًا هذا البحث الذي قامت به إحدى شركات البحوث وقالت نتائجه: إن مليون بريطانيٍّ يُعانُون من اكتئاب نفسيٍّ، وإن مِن المحتمل أن يُقدِمَ ثُلُثُ هذا العدد على الانتحار بسبب الكآبة، كيف نُفسر أن معظم المُصابين بالاكتئاب مِن النساء!
استبعدَ البحث مُشكلة البطالة كسَبب رئيسيّ للكآبة، وأشار إلى المشاكل الزوجية والمنزلية والإنسانية!
عاودت النظر في وجوه الناس، أَهَؤلاءِ مُكْتَئِبون!
إن النظرة السريعة تقول إن الناس تعيش وسَط نَعيمٍ مُقيم في"لندن"كل شيء مُيسَّر، لا صوت للشوارع ولا صوت للناس، وكل ما تُريده مَوجود وحاضر، هناك مكان في الأوتوبيس والمترو والتاكسي والقطار، ليست الحياة اليومية مُعاناةً كالحياة اليومية في مدن العالَم الثالث أو الشرق.
إن المدنية الحديثة تُوفر للناس جهدهم الإنسانيّ، وتقوم عنهم بأداء كثير ممَّا كان يقتضي جهدًا بدَنيًّا أو عضليًّا، والخِدْمات أكثر من الحاجة إليها، والعرض أكثر مِن الطلب، والتليفون لا يَستعصي عليك، ولا يتكلم معك في الخطِّ أحدٌ، لماذا يَكتئب الناس إذًا وحياتُهم تمضي بهذه النُّعومة والكفاءة؟
إن الحضارة الغربية تكشف هنا عن أحَدِ أسرار الحياة، إن للتخلُّفِ مشاكلَه وللتقدُّم مشاكلَه، وليست مَشاكل التقدُّم بأخفَّ في الميزان من مشاكل التخلُّف، هنا تُوفر الحياة للناس وقتًا يُفكرون فيه في حياتهم وهدف هذه الحياة ومَصيرهم بعدها، وهنا يُحسُّ الناس بالوحدة القاسية رغم كل مُبهِجات العيش.
إن الوضع الصحيح الوحيد للإنسان أن يكون تابعًا للهِ لا مُستقلًّا بنفسه، وأن يسترشد بوَحيه لا أن يغتر بفلسفته الخاصة.
ما أضعَفَ الإنسانَ إذا لم تُسْنِدْه قوةُ ربه! وما أشقاه حين يُحرَمُ بَرَكتَه!