إننا نحيا في رحمته الواسعة، ونِعمتِه المَبذولة، وبركاته الهاميَّة، ولكن ذلك كله يُشبه العافية التي قيل في تبلُّد الشعور بها: الصحة تاجٌ على رُءوس الأصحَّاء لا يَراه إلا المَرْضَى.
إنه شيءٌ مؤسف أن يَقِلَّ إحْسَاسُنَا بفضل الله الذي يَغمُرنا بالليل والنهار، ثم يتضاعَف جُؤَارُنا بالشكوى إذا فقدنا بعض ما نَهوَى! والغريب أننا نَعتبر ما نفقده هو مَصلحتَنا المُؤكدةَ أو الخيرَ الذي حُرِمناه، إن مواقفنا مع القدَر تَكرار لمَوقف موسى مع الخَضِر حين اعترض ما يجهل عُقباه، مع أن القصة ذُكرت لتقول لنا: رُبَّ ضارَّةٍ نافعةٌ، رُبَّ أمرٍ أنكرنا بدايته وجدنا نهايته (وعَسَى أن تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء: 19) .
هناك أبجدياتٌ للإيمان لو عرفناها لزالت مُشكلة القلَق والاكتئاب والتوتُّر التي تسود العالَم، وأرى أن الغُرور البشريّ أو إحساس الإنسان بأنه يقوم وحده من وراء تلك المشكلة. لقد خُيِّلَ إلينا مع التقدم العلميّ الجافّ أننا مُديرو هذا الكون ومَالكو زمامه! وأن الإنسان يستطيع المُضيَّ وحده إلى هدفه دون صُحبة من رعاية عليا، أو مُساندة من ربٍّ قدير! وهذا هو الغباء المَحْضُ!
إن المساحة التي تعمل فيها إرادتُنا الحرة ضيقةٌ جدًّا، حقًّا هي موجودة، بيد أنها محكومة بظروف لا دخل لنا فيها مُذْ وُلِدنا إلى أن نموت، ما أغبَى السمكةَ التي تظن أنها صنَعَت مياه البحار والمُحيطات، وأنها صنَعَت الخياشيم التي تَستخلص بها أنفاسَها وسط الماء!