وجمهور الفقهاء والمُؤرخين والدُّعاة يُؤكد أن علي بن أبي طالب ـ الخليفة الرابع ـ كان إمامَ حقٍّ، وأن معاوية بن أبي سفيان كان يُمثل نفسَه وعصبيَّته في خُروجه على عليٍّ، وشاء الله أن يَكسب معاوية هذه المعارك، ومِن ثم تحوَّلت الخلافة الراشدة إلى مُلْكٍ عَضُوض في بني أُميَّة.
ومع أن هذا التحوُّل كان هزيمةً للحقِّ وضربة مُوجِعة للمُثل العُلْيَا، إلا أنه من الغُلُوِّ المَرفوض تضخيمُ نتائجه؛ لمَا يأتي:
(أ) إن الخلفاء أو الملوك الذين وَلُوا أمورَ المسلمين بطريقةٍ غير صحيحة أعلنوا أن ولاءهم للإسلام، وأن التغير في أشخاص الحاكمين لا يعني التغيُّر في القوانين أو الأهداف الإسلامية، ومِن أجل ذلك استأنفوا الجهاد الخارجيّ، كما تركوا للفقهاء حريةَ الحركة، ما لم يَمَسُّوا سلطانهم في الزعامة.
(ب) إن العلم الدينيّ مضَى في طريقه يُوسِّع الآفاق ويُربِّي الجماهير ويُقرِّر الحقائق الإسلامية كلها من الناحية النظرية، أيْ أن الإسلام الشعبيّ مع ازوِرارِه عن السُّلطة بقِيَ قديرًا على الامتداد والتأثير.
(جـ) مع أن الدولة كانت عربيةً تتعصَّب لجنسها، فإن الجماهير والَتْ تعاليم الإسلام وحدها، وألقَتْ قِيادها في أغلب العواصم لفُقهاءَ ودُعاةٍ مُربِّين من الأعاجم!
وأجدُني هنا مَسُوقًا لتوكيد حقيقة مهمة: إن الجنس العربي له خصائصُ رفيعة رشَّحَته لظهور الإسلام فيه واختيار النبوة منه، وهو إلى جانب ذلك جنس له نقائصُ منكورة مثل الاعتزاز بالنسَب إلى حدِّ السخَف، وازدراءِ الحِرَف من فِلاحة وصناعة، والحرصِ على الإمارة ولو بطريق اللَّفِّ والخطف.
وقد أفاد الإسلام مِن خصائصه وخَبَرَ مِن نقائصه، ومِن أجل ذلك نُريد أن نضع فواصل بارزةً بين التعاليم الإسلامية والتقاليد العربية، فإن الأخيرة غلبتِ الأولى في مجالاتٍ كثيرة.