فهرس الكتاب

الصفحة 546 من 566

إن المرء ليَغُوص في بحار الحيرة عندما يرى كَرَادِلَة العالَم النصرانيّ يختارون أدهاهم وأذكاهم وأجلَدَهم على خدمة الدين، وعندما يرى مُعتنقي الشيوعية يختارون أقدَرَهم وأمهَرَهم وأشجَعَهم على خدمة المذهب! على حين يقود المسلمين على مرِّ التاريخ رجلٌ أعظم مُؤهلاته أنه ينتمي إلى المأسوفِ على شبابه أُمَيَّةَ بنِ حرب! أو الصحابيّ المعروف العباسِ بن عبد المطلب (نحن نحب نبيَّنا من أعماق قلوبنا، وهو ـ عليه الصلاة والسلام ـ الذي شرح لنا سُنن الخلافة الراشدة، فليس لأحد من أسرته أن يحبسها في ذُريَّته بضعة قُرون) أو ابن الأناضول عثمان بن هيان بن بيان!

إن أولئك الخلفاء لا تُرشِّحُهم مواهبهم الخاصة لمَنصب ذي بالٍ، وليس في كتاب الله ولا سُنة رسوله إلا ما يَشجُب هذا المسلك، بيد أن تقاليد العرب أعْوَجَت بتعاليم الإسلام كَرْهًا ودفَعَتْها في هذا المَجْرَى!

ونشأ عن ذلك أن العلم بدأ يَستوحش، وقد كابَرَ وقاوَمَ واستمسَكَ بحقِّه في الحياة مُستمِدًا كفاحه من تعاليم الإسلام وما بَقِيَ له مِن كرامة بين الجماهير.

لكن العلم ـ وأعني الدينيَّ منه خاصَّةً ـ أخذ يَنحدر وتقلُّ وجاهته، وانصرفت عنه كل الانصراف الطبقاتُ الثريَّة أو المرشحةُ للوظائف العليا، ولم يَبقَ على الوفاء له إلا بعض المُغامرين بأولادهم في سبيل الله، أو بعض الذين عزَّ عليهم السيرُ في ميدان آخر من مَيادين المعرفة، فرَضُوا بما لا مَحيص عنه أو لا مَفَرَّ منه.

ومِن انفصال العلم عن الحُكم وَرِث المسلمون المُعاصرون مشكلتينِ جديرتينِ بالنظر العميق: الأولى: هجرة العقول الكبيرة إلى الغرب.

والأخرى: رداءةُ الأوعية الحاملة للفقه وطلبُها للدَّنايَا تحت أقدام المُستبدِّين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت