فهرس الكتاب

الصفحة 545 من 566

وصاحب التاج ـ غفر الله له ـ يُتابع في هذا الحكم علماءَ السُّنة مِن قبْلِه، فإن شروحهنَّ غالبًا لا تخرج عن هذا المعنى. والواقع أن أولئك الشُّرَّاح يذهبون بعيدًا عن مُراد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتَجرُفُهم التقاليد العربية، فيَنسَخون بها أحكام الشريعة ومُقررات الدين. وفي حديث جابر ـ وهو في منتهى الصحة ـ أن امرأةً مِن وسَط النساء سَفْعاء الخدينِ استفهَمَت من الرسول عن بعض ما قال في خُطبة العيد، والسَّفعاء: الحمراء، وزْنًا ومعنًى، أو التي في حُمرة خُدودها سُمرة! وظاهر أن المرأة كانت سافِرةَ الوجه دون حرَج، وهذا أمر يُماري فيه المُتعصِّبون لبعض التقاليد المَوروثة، أما تعاليم الإسلام فمَوضع نظرٍ؛ لأنها تُخالف ما ألْغَوا مِن تقاليد!

ومِن النكسات التي أصابت جماعة المسلمين وأوْهَنَتْ قُواهم مِن قديمٍ انفصالُ الحُكم عن العلم وسيرُ كل منهما في مجرًى اختَصَّ به، لقد كان الخلفاء الراشدون حُكامًا وفقهاء معًا، ولستُ أعني بالفقه الاستبحارَ في تفاصيل العبادات وفروع الأحكام كما يتصور الناس، كلَّا، كلَّا، إنما أعني بالعلم إدراكَ الأصول والغايات العُظمى لدِين الله، وإدراكَ ما يَدعَمها من حُجج وما يَشين غيرَها مِن شُبَه، والقُدرةَ النفسية على الغرس والحَصاد والكرِّ والفَرِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت