ومع أني شديدُ اللوم لأمتي دائمُ التقريع لها، فإنني لا أستطيع أبدًا الزعمَ بأن اليهود أو النصارى كانوا خيرًا منها حالًا، ولا تخدَعني الهزائم السياسية المُعاصرة عن تقرير الحقيقة، فلا يزال المسلمون برغم جراحاتهم الخطيرة أولَى بالله، وأعرَفَ برسالاته، وأمْلَكَ لأسباب العافية، وأحقَّ بالبقاء، وما قدَّموه للعالَم وما يُنتظَر منهم تقديمه يُرجِّح كفَّتهم ويُعْلِي حُجتهم. إن الإسلام انتقل بالحياة البشرية نقْلة حاسمة في عدة مجالات:
(أ) نقَّى عقيدة الوَحدانية من كل شوائب الشرك.
(ب) رفض أيَّ عنصر في الإيمان يُناقض العقل.
(جـ) أقرَّ المساواة في الحقوق والواجبات على اختلاف الألوان والأديان.
(د) خفَّف مِن وَيْلات الحروب وحرَّم الدمار الشامل.
ومع ما تعرَّض له التاريخ الإسلامي مِن مدٍّ وجزْر وذُبول وازدهار، فإن الأمة الإسلامية فرضت طابعها المُتميز على الفكر البشريّ، وجعلت خُصومها يُراجعون أنفسهم ويُجمدون بعض مَواريثهم أو يَتخلَّون عنها.
كانت صورة الأُلوهية مُفْزِعة في كلمات بعض المُتحدِّثين عن الله؛ إذ يبدو رب العالمين وكأنه شخصٌ حاسد ذاهلٌ يُخطئ ويَندم ويجهل ويتراجع، ويَفتقر إلى مَن يُرشده ويُصحح له عمله!
تأمَّلْ في هذه العبارات:
لمَّا قرَّر الله الانتقام من بني إسرائيل بعد عبادتهم للعِجْل قال موسى له: ارجع عن حُمُوِّ غضبك وانْدَمْ على الشرِّ بشَعْبِك! فندِم الربُّ على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه!
وفي مكان آخر:
فندِم الرب واغتاظ لمَّا أغضبه بَنُوه وبناته!
فندِم الرب على أنه ملَّك"شاؤل"على إسرائيل!
الرب كجبَّار يَبرز، وكرجل قتَّال يُثير غيْرته، ويَهتفُ، ويَصرخ ويَظفر على أعدائه، سطع دُخَانٌ مِن أنْفه، ومِن فِيهِ نارٌ آكلةُ جمْرٍ مُتَّقِدٍ، طأطأ السموات والضباب تحت قدميه، ركِب على كُروب وطارَ، وخطف على أجنحة الرماح...الخ.