الأرقَّاء ليُعتقهم، فبذل له صلاح الدين سبعمائة أسيرٍ، كما جعل صلاح الدين لـ"باليان"خمسمائة أسير. ثم أعلن صلاح الدين أنه سوف يُطلق سراح كل شيخ وكل امرأة عجوز، ولمَّا أقبل نساء الفرنج اللائي افْتدَينَ أنفسَهنَّ، وقد امتلأت عُيونهنَّ بالدموع، فسألْنَ صلاح الدين أين يكون مَصيرهنَّ، بعد أن لَقيَ أزواجهنَّ أو آباؤهنَّ مصرعهم أو وقعوا في الأسر، أجاب بأنه وعَد بإطلاق سراح كل مَن في الأسر من أزواجهنَّ. وبذَل للأرامل واليتامى مِن خزانته العَطايا، كلٌّ بحسب حالته. والواقع أن رحمته وعطفه كان على نقيض أفعال الغُزاة في الحملة الصليبية الأولى"."
إن الأمة الإسلامية ـ برغم تَعاسة الظروف التي ألَمَّت بها ـ أرسَتْ قواعدَ خيرٍ كثير في هذه الحياة، وما يبقى لها بعد مُعادلات الحذف والإضافة يَزِينها ولا يَشينها.
وأعرف أن خُصومها أصْفَقُ وُجوهًا وأقدرُ على فِعْل المَناكر ودفنها فلا تُعرَف، وأجرأ على تلَمُّس العيوب للبُرَآء والإصرار عليها حتى تثبت.
وفي عصرنا هذا أمَرَ رجلُ دينٍ أحمقُ في"جيانا ـ أمريكا الوسطى"ألفَ شاب بالانتحار الجماعيّ، فماتوا كلهم في صمْت! ولو فعَل شيخٌ مسلم واحدًا في المائة مِن هذه المأساة لَدُمغَت الأمة الإسلامية بعارٍ لا تقدر على الإفلات منه! ولنُسِبَ للإسلام كلُّ شرٍّ!
وما نُنكر أن هناك مُنصفين صارحوا بفَضل الأمة الإسلامية على العالَم، وآخر ما قرأنا لهؤلاء كتاب"شمس العرب تسطع على الغرب"لأستاذة ألمانية طاهرة الذمَّة.
صحيح أن المسلمين اليوم في أوضاع بالغة السوء! وصحيح أن فساد الحُكم حِقَبًا طويلة مِن وراء هذا الانتحار، بيْ أن الأمة الجريحة لا تزال أنبل مِن قاتليها، ولا تَزال ثروتها الروحية أجدر بالتقدير وأحقَّ بالتقديم.
إن الذكاء الأنانيَّ في أوربا وأمريكا سيَجرُّ الويل على أصحابه، وقد يجرُّه على العالَم كله ما لم يرحمنا الله.