فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 566

والواقع أن المسلمين الظافرينَ اشتهروا بالاستقامة والإنسانية، فبينما كان الفرنج منذ ثمان وثمانين سنة يخوضون في دماء ضحاياهم، لم تتعرَّض الآن دارٌ مِن الدور للنهب، ولم يَحِلَّ بأحدٍ من الأشخاص مَكروه، إذ صار رجال الشرطة، بناءً على أوامر صلاح الدين، يَطوفون بالشوارع والأبواب يَمنعون كل اعتداءٍ يقع على المَسيحيين، وفي تلك الأثناء حرص كل مسيحيّ على أن يلتمس المال اللازم لافتدائه. وأخذ"باليان"كل ما في بيت المال من الأموال لدفع ما وعَد به من أموال الافتداء، وقدرها ثلاثون ألف دينار، ولم يَخرج الإسبتارية والداوية عن شيء من أموالهم إلا بصعوبة، ولم يَحفُل البطريرك وهيئة الكنيسة إلا بأنفسهم، ودَهِشَ المسلمون حينما رأوا البطريرك"هِرَقْلَ"يؤدي عشرة دنانير، مقدار الفدية المطلوبة منه، ويُغادر المدينة، وقد انْحنَتْ قامتُه لثِقَل ما يحمله مِن الذهب، وقد تَبِعَتْهُ العرَبات التي تَحْمل ما بحَوْزته من الطنافس والأواني المصنوعة من المعادن النفِيسة، وبفضل ما تبقى من منحة الملك هنري الثاني تقرَّر إطلاق سراح سبعة آلاف من الفقراء، وقد كان يصحُّ أن ينجوَ من الاسترقاق أُلوف عديدةٌ مِن المسيحيين لو أن الإسبتارية والداوية والكنيسة كانوا أكثر سخاء. ولم يَلبث أن تَدفَّق من أبواب المدينة طابوران من المسيحيين، تألَّف الأول من أولئك الذين افتَدَوا أنفسَهم، أو تمَّ افتداؤهم بفَضْل جهود باليان، أما الطابور الثاني فشمل أولئك الذين لم يستطيعوا افتداء أنفسهم، ولِذَا توجَّهوا إلى الأسر. ومن المناظر التي تدعو للأسى والحزن ما حدَث من التفاتِ العادل إلى أخيه صلاح الدين يطلب منه إطلاق سراح ألف أسير، على سبيل المُكافأة عن خدماته له، فوهَبهم له صلاح الدين، فأطلق العادل على الفور سراحهم. وإذا ابتهج البطريرك هرقل لأن يلتمس هذه الوسيلة الرخيصة لفعل الخير، لم يَسَعْهُ إلا أن يطلب مِن صلاح الدين أن يَهَبَه بعض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت