إن الطيبة أو التقوى أو القدرة على ميز الخبيث من الطيب وإيثار الحسن على القبيح ، كانت المشاعر التى برز بها سلفنا الأولون بل آباؤنا الأقربون.. ولقد عرفت فلاحى قريتنا وأنا صغير ينامون مبكرين بعد صلاة العشاء، ويستيقظون مع الفجر، فيذهبون صوب حقولهم، وقد تذهب إليهم زوجاتهم أو أولادهم بالغداء، فما يعودون من مزارعهم إلا مع الغروب.. وكانت أرضوهم تدر السمن والعسل، و بركات الله تنهمر عليهم بالغدو والآصال.. والآن بعد السهر والسمر على شتى البرامج والنوم حتى الضحى، وإضاعة الصلاة، واتباع الغفلات ماذا نجنى؟ والسؤال نفسه مع أهل الخليج، لقد سمعت معمرين منهم يتحدثون عن الماضى بأسى وإعزاز معا! يقولون: كنا فقراء، ولكن الرجولة والاستعفاف وتقوى الله كانت تسود الآفاق.. إن الغد مع الشهوات الوافدة مر الثمر... أريد من أمتنا أن تقتبس من حضارة الغرب ما يوافق أو يتواءم مع فطرة الله في مواريثنا.. ثم ماذا على الدعاة والمربين لو درسوا الأساليب التى اتبعها اليابانيون في الاستفادة من هذه الحضارة؟.. ثم إن هناك خللا في التركيب الإنساني لأمتنا طرأ عليها مع ترادف العلل السياسية والاجتماعية، جعل المنطق العلمى يتقهقر، وتحل محله الأوهام، وجعل الاكتمال النفسى يضعف وتسد فراغه بعض الشعائر وسور الطاعات.. وعلماؤنا الكبار لم تخدعهم هذه النقائص، ولذلك رفض ابن القيم من الغنى البخيل أن يكثر الذكر ويطيل الصيام، فعبادته الأولى العطاء! كما رفض من الداعية الجبان أن يثرثر بالأوراد، ويعتكف بعيدا عن الناس فعبادته الأولى الأمر والنهى والنصح. وفى عصرنا هذا لا يخفى ما تحتاج إليه أمتنا كى تنهض من عثرتها، وما أيسر التوفيق بين التقدم الحضارى ومواريث الدين والخلق، والوفاء بحقوق الله..