إذا قال تعالى: (كذلك يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهدي من يشاءُ وما يَعلَمُ جنودَ ربِّك إلا هو) (المدثر: 31) فلنسأل أنفسنا: مَن الذين يشاء اللهُ إضلالَهم؟ ولنسمع الإجابة من القرآن نفسه: (ويُضِلُّ اللهُ الظالمينَ ويَفعلُ الله ما يشاء) (إبراهيم: 27) (إنَّ الله لا يهدي مَن هو كاذبٌ كفارٌ) (الزمر: 3) (كذلك يُضِلُّ اللهُ مَن هو مسرفٌ مرتابٌ) (غافر: 34) .
ليس الأمر إذًا لَيَّ عنان رجل صالح كي يتعرض لعذاب الله، لأن الله شاء إضلاله وتعذيبه، كلا وحاشا للبَرِّ الرحيم العدل الكريم أن يفعل ذلك.
هذا امرؤ اتجه إلى الشر فدفعتْه الأقدار في طريقه الذي اختاره، وهل يَجنِي العنبَ مَن بذَر الشوكَ؟
وكلما أوغل الشرير في الطريق زاد سمك الغِشاوة المضروبة على بصيرته، فيظلم القلب وتعجز أهل الأرض عن إنارته: (كلَّا بلْ رانَ على قُلوبِهم ما كانوا يَكسِبونَ) (المطففين: 14) . وهكذا يصنع الله بالمجادلين في آياته المستكبرين على الحق: (كَذلكَ يَطبَعُ الله على كلِّ قلبِ متكبرٍ جبَّارٍ) (غافر: 35) .
الأساس أن هذا الذي شاء الله إضلاله أضل نفسه أولًا، فأتم الله له مراده، كما قال: (فلما زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلوبَهُمْ) (الصف: 5) وكما قال في موضع آخر: (ومَن يُشاقِقِ الرسولَ من بعد ما تَبيَّنَّ لهُ الهُدَى ويَتَّبِعْ غيرَ سبيلِ المؤمنين نُوَلِّه ما تولَّى..) (النساء: 115) .
ومن السفاهة الظنُّ بأن الله أزاغ طالب هدًى أو أضل من اتَّبع سبيل المؤمنين!
وكما شاء الله إضلالَ هؤلاء يَهدي إلى الحق مَن ابتغاه ونشَده: (والذينَ اهتَدَوا زادَهُمْ هُدًى وآتاهُمْ تَقوَاهُمْ) (محمد: 17) وقال تبارك اسمه: (إنَّ الذينَ آمنوا وعَمِلُوا الصالحاتِ يَهدِيهم ربُّهم بإيمانِهم) (يونس: 9) وقال: (وَمَنْ يُؤمِنْ باللهِ يَهدِ قَلْبَهُ) (التغابن: 11) وقال: (يَهدي إليه مَن أنابَ. الذينَ آمنُوا وتَطْمَئِنُّ قلوبُهم بذِكْرِ الله) (الرعد: 27ـ28) .