فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 566

وتصور فلاحًا ـ كما قلتُ في كتاب لي ـ زرع حشيشًا أو أفيونًا أو أي نبت مخدر، ثم وقف أمام القضاء يدافع عن نفسه يقول: كيف أُحاسَب على ما زرع الله؟ صحيح أني وضعت بذرة تافهة، لكن مَن الذي نمَّاها وحمَّلها ثمرها؟ إنه القائل: (أفَرأيتُمْ ما تَحرُثون. أأنتُمْ تَزرَعونه أم نحنُ الزارِعونَ) (الواقعة: 63 ـ 64)

كثير من الناس يُعالج قضاياه الدينية بهذا المنطق!

نحن نعلم أن الإنسان إذا أراد الذهاب إلى المسجد أو إلى الخمّارة بقي قلبه يدق بقدر الله، وبقي جهازه العصبي يُصدر أوامره إلى الأقدام لتتحرك بقدَر الله، وبَقِيَت الأرض دون خسف ولا زلزال باسم الله! فهل معنى ذلك أن الله هو الذي دفع هذا إلى المسجد دفعًا ودفع ذلك إلى الخمَّارة دفعًا.

كلَّا! كلا! إن للإنسان إرادة حرة، بها كُلِّف، وبها صح اختياره، وبها تم جزاؤه. وكون الله أعانَه على ما أراد لنفسه، أو أنضج له ما بذر في أرضه، أو أمدَّه بالتيار الكهربي الذي أنار بيته لا ينفي مسئوليته التامة عما فعل!

الإرادة مَيزة مُحَقَّقة مُؤَكَّدة في الكيان الإنساني، بها حمل أمانة التكليف، وبها تميز عن الجماد الأصم والحيوان الأعجم، وبها يعلو أو يَهوِي ويشكر أو يكفر!

وعندما يَتَّجه المرء ـ بمحض اختياره ـ إلى الإحسان والإساءة فإن تيار الإرادة المبعوث في أرجاء الوجود طَيِّع بين أصابعه، إن شاء أضاء فمشى في النور، أو أطفأ فخبَّط في الظلام.

وآيات القرآن تؤكد هذه الحقائق، ويجب أن نعلم أن القرآن يفسر بعضه بعضًا ويصدقه ويكمله!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت