فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 566

رجل واحد هو في طاقته أمّة، أحب الله من أعماق قلبه، وأُلقيَ في النار لحرصه على توحيده، وخاصم الملوك والجماهير لإعلاء هذه الحقيقة، وتنقَّل بين أرجاءٍ رحبة من الأرض يدعو ويجادل، طوَّحت به سياحاته إلى هذا المكان النائي ليشيد على أنقاض الوثنية حصنًا للتوحيد، ويسأل ربه وهو يبني أن يجعل من عَقِبه أمة تحمي الحق وترفع رايته، أكان للناس عجبًا أن تُهرَعَ هذه الأمة بعدما تَمخَّض عنها الغيب لتزور المسجد الذي وضع أبوها، وتهتف من حوله بشعار التوحيد!

إن الأب الراحل دعا الأجيال لتزور بيت الله، وتُوَثِّق حبالها بالعقيدة التي أنشأته، ووقع في قلوب الألوف المُؤَلَّفة صدى هذا النداء، فأتت من كل فجٍّ تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة والملك لك، لا شريك لك!

فهل تُتَّهم هذه الوفود الموحِّدة بأنها وثنية!

أليست هذه السفاهةَ بعينها!

إن بعض الناس لا يدري المعاني العظيمة التي تحُف مناسك الحج، وقد يكون الحُجّاج أنفسهم من هذا القبيل!

نظرتُ إلى"المَسعَى"وهو يَمُوج بحشود كثيفة تَطُوف بين الصفا والمروة، وساءلتُ نفسي: إن هذا السعي بين الجبلين الصغيرينِ شُرِع لترسيخ عقيدة التوكُّل على الله، وإن وَهَت الأسباب المادية، فهل الساعون يَعُون ذلك؟

من قرون خلَت كانت هذه البقعة يسودها صمت الوَحْشة والانقطاع، لا أنيس هنالك ولا عمران، جاءها إبراهيم ـ عليه السلام ـ بامرأته وابنه الرضيع، ثم قال للأم الضعيفة: سأتركك هنا!

وتساءلت هاجر دَهِشَةً: تتركنا هنا أنا وإسماعيل حيث لا زرع ولا ضرع، ولا دار ولا ديار؟ نعم. قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. إذن لا يُضيِّعَنا!

وانصرف الأب لا يدري ماذا سيقع له ولا ما سيقع لأسرته، لقد نفَّذ ما أُوحي به وحسب!

ونَفِد الزاد والماء من هاجر، وجاءت الساعة الحَرِجة، وانطلقت الأم بين الربوتين الجاثمتين على صدر الوادي تبحث عن غَوْث للرضيع الذي يُوشِك أن يَهلِك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت