فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 275

وقبل الخوض في حقيقة هذه المرأة وما كشفه من قوى لها تؤهلها للحكم أم تدفع عنها هذا التأهيل؛ فإني أظن أن اسم بلقيس هو لقب قومها لا اسمها، وأن تهجئته على قياس بلقيه، كما ينطقه أهل اليمن، فهي ابنة قيس، فيصار اللفظ بكسر الباء أو فتحها وفتح المثناة الفوقية وتسكين المثناة التحتية، وهذه نسبة ما زالت جارية في اليمن، فيقال بلحارث، وبلفقيه وهكذا.

والآن إلى كشف القرآن لقدرات هذه المرأة الملكة، وهل هي حقًّا تقدر على خوض غمار الملك ومشقاته، وخاصة في دولة الإسلام التي تقوم على الدعوة والجهاد ومكابدة الخصوم، أم أنها عالجت مشكلتها القادمة مع نبي الله سليمان معالجة المرأة بدسائسها لقضايا لا تحتمل هذا السلوك، ثم هل حقًّا سوق القرآن لحكايتها هو من قبيل الإقرار لهذا الاختيار بكون جواز تمليك المرأة سلطة الدولة والأمة!؟

هذا ما يبحث هنا:

جاء ذكر أمر بلقيس في سورة النمل كما هو معلوم، ونشأ أمر ذكرها في سياق ذكر نبي الله سليمان -عليه السلام-، وهو نبي ملك مجاهد، صار له ملك تاريخي خاص لم يكرر لغيره، من سيطرته على الجن، وتسخير الرياح له، وتعليمه منطق الطير، كما ذكر ربنا الحميد في كتابه المجيد، والقرآن يكشف لنا سلوك سليمان النبي الملك المجاهد كما يكشف لنا سلوك بلقيس المرأة الملكة، والتي تدير ملكا عظيما وصفه الهدهد بقوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} ، وهذا الطائر الذكي يصف هذا الوصف وهو يرى ملك سليمان العظيم، ولذلك نستطيع الجزم أن ملكها عظيم مع وجود ملك سليمان العظيم، ولها من القوة والسؤدد والسلطان مع وجود ما لسليمان من ذلك، فلم يكن ملكها بعيدا -في مظاهر القوة ومظاهر أدوات الملك- عن ملك سليمان في هذا الجانب، وهذا مهم جدًّا في فهم إدارتها لأول معضلة تقع عليها بما ألقي عليها من رسالة سليمان -عليه السلام-؛ فكيف تلقت هذا النبأ العظيم؟

ونحن هنا نريد ابتداءً أن نفرق بين فهمها للأمر كما هو، وبين قراراتها التي تتخذها بناءً تلى هذا الوعي والفهم، فالقرآن يكشف حسن فهمها لما يلقى عليها من أمور، فهي قد فهمت عظمة مرسل هذه الرسالة، وذلك بقولها: {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} ، فأن تدخل مخدعها وهي المحصنة بالجنود والعيون، ثم تجد على سريرها مثلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت