هذه الرسالة؛ فهذا ولا شك يدعوها لهذا الفهم لحقيقة المرسل وقوة بأسه وسلطانه.
فهذا منها لا يشكك فيه أحد.
ومما يكشفه القرآن حقيقة الملأ حولها، ومدى وعيهم على فقه الحياة وإدارتها، فإن الملك بمستشاريه، وأهل النظر والحكمة فيه، ولكن هذه ليست في صالح هؤلاء القوم الذين اتخذوا هذه المرأة حاكمة عليهم، فمن يطلب ملك امرأة عليه؛ فإن من حقه أن يكون ضعيف الوعي والفكر والنظر، ولا ينشط إلا لقوة بدنه وسلاحه وجنده، وأهل الحل والعقد ليسوا كذلك في الملك الرشيد والحكم الموفق المسدد، فأن يقول لها الملأ وقد سألتهم فتواهم ورأيهم فلا يردوا عليها إلا بهذا العجز والعي في البحث والفهم: {نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} .أي طائفة من الرجال هؤلاء الذين جعلتهم عدتها في الشورى والرأي؟
هذا إن قلنا أنها هي من اختارتهم لمكرها وتدبيرها حيث جعلتهم ضخام الأجساد، صناديد قتال، لكنهم أغبياء في التدبير والعلم، ولكن قد نقول بأن هؤلاء هم صفوة القوم في مجتمعها، وهي البرزة فيهم، فهم وجوه قومها حقيقة، وإذا كان أهل الإسلام كذلك فلا بأس بهذا النوع أن تولى عليهم مخادعة ذكية كهذه المرأة.
دعونا نعمل قاعدة الشافعي هنا، ونقول يجوز تولية المرأة ملكة وخليفة إن كان عموم أهل الإسلام كمثل ملئها الذين استشارتهم، فنحقق تخصيص اللفظ بسبب الورود؛ هل تقبلون!!؟
يمضي القرآن في حديثه كاشفًا أسلوب بلقيس ملكة سبأ:
حقًا هذه امرأة، وامرأة فقط. في قولها: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} ، قد يقول قائل:"هذه كلمات حكيمة"، لكن ألا يحق لآخر أن يقول: هذه كلمات تخذيل وتوهين!؟
هل لهذه المرأة التي ملكت هذا الملك العظيم كما عبر عنه الهدهد بقوله: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} ، وعندها من أسباب القوة والمنعة والنصر والغلبة: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} أن تفتتح كلامها مع هؤلاء الصناديد بهذه الكلمات التي تسقط الشجاعة وتنشر التوهين والتخذيل!؟
أما كان لها أن تذهب كما يذهب الملوك حين يأتيهم التهديد برفع معنويات القادة والشعب؟ هل بمثل هذه الكلمات يحصل فلاح الملوك، أم يقع الخسران؟