الذين أصلوا لقاعدة الحكمة والتعليل والعمل بالمصالح بسوء القول، حيث جعل المصلحة العمل بالشهوة دون النظر إلى هذا المعنى العظيم، والذي هو أصل الأحكام كما يقول الشاطبي، حيث جعل مقصد الدين هو إخراج النفس من داعية هواه أولا، وكما عرف علماء الإسلام الدين بقولهم: وضع إلهي سائق لذوي العقول إلى ما يحبه الله ويرضاه، أو لما فيه مصلحتهم في الدنيا والآخرة، وهذا من فقههم الذي أفسده أهل الأهواء من فقهاء الشر في هذا العصر.
ولذلك أحسن ابن تيمية وهو ينتقد حصر الكليات في الخمس المذكورة، وذكر الناس بأن هناك من المقاصد ما هو أعظم من المذكورات، وهو أمر القلوب، وهذا منه حيث يقول الله تعالى: {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} ، وأما في حالة القرية المتقدمة فقد قال تعالى: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ، فانظر -حفظك الله- إلى ما بين المقامين من التفاوت، حيث يبتلي الله الصحابة من أجل إظهار تقواهم وخوفهم من الله غيبًا، ويبتلي أصحاب القرية بإزجاء السمك يوم السبت {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ، وذلك لما أسرُّوا من شر في قلوبهم، فأراد الله تعالى أن يفضح هذا الشر ويكشفه، فجاء هذا الابتلاء.
فكلاهما بلاء، ولكن شتان ما بينهما لما في الفرق بين أهليهما!
هذه القرية لم تغير اسم السمك، كما غير ابليس اسم الشجرة، ولا تلعبوا بهذا الجانب، بل أتوا إلى الفعل، تبديلًا لصورته، حيث خدوا الأخاديد في البحر، فإن أتت الحيتان يوم السبت، وهي كذلك آتية؛ أغلقوا عليها الأبواب، فحبست في الأخاديد، ثم يوم الأحد أخذوها، وبالتالي زعموا أن الصيد لم يقع يوم السبت، فانظر إلى مقصد الله تعالى، حيث قال: {نَبْلُوهُمْ} ، فهو ابتلاء النفوس إذًا، وذلك بحرمانها من شهواتها طاعةً له، كما يحرم الصائم طعامه وشرابه وشهوته، فلا يلتفت الفاسق إلا إلى صورة الفعل، فيتحايل عليها ليذهبها، وتحصل له شهوته بعد ذلك؛ فيفوت مقصد الله تعالى في هذا التحايل، ويحصل الإنسان على شهوته.
وهذه الآيات في ذكر هذا البلاء، وهذا التحايل -وهو المعصية لله- إنما جاءت بعد قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ، فهذه نفوس استمرأت الحيلة والتعامل مع شرع الله بالخبث والتغيير؛ إذ ليس في تغيير القول من حطة إلى غيره أي فائدة تذكر