سوأة، وهذا من السوء الذي يداريه الإنسان لئلا يتلبس به، وهكذا تسمى عورة، لأنها مما يستعر منه الإنسان، والإنسان بفطرته مركوز على كراهية إبانة هذه السوأة والعورة، فكيف يكشف العاقل ما يستحيى منه!؟
وتحركُ آدم وزوجه لستر عورتيهما هو دليل استقرارهما على الفطرة حتى بعد معصية الأكل من الشجرة، ثم إن هذا دليل أن المعاصي عاقبتها على حياة الإنسان بأن تخلي بينه وبين مكامن ضعفه، وهذا يقرره القرآن بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} ، فانظر كيف صار للشيطان على الإنسان سبيل بسبب المعصية، وانظر إلى قوله تعالى عن حركة الشيطان مع متبعه: {لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} ، كيف تدلك كلمة"التحنيك"من كون هذا المربوط بحنكه دابة تقاد لمن أمسك القياد، ولذلك لا يمكن أن تكشف عورتك أمام خصومك من الشيطان وجنده إلا بمعصيتك لله، ولو جمعت ما تقدم من أن المعاصي هي مخالفة التوافق القدري ابتداءً، فوق أنها مخالفة لشرع الله تعالى -أي لما يحب ويكره-؛ لعلمت هذا المعنى جليًّا، فإن المعصية مصادمة لسنن الوجود في وصول المرء إلى غاياته، ونيله مراده في أحسن الطرق وصوابها، بل إن المعصية منذرة بالهلاك القدري، أي هي معارضة لسنن الوجود السائقة لمراد الإنسان إلى مطلوبه من الخير ودوام الحال بعدم الهلاك، ولذلك كانت معصية آدم وزوجه -عليهما السلام- كاشفة لعورته وسوأته، فتم النقص وحصل سبيل للشيطان عليه، بل حصل له مصادمة لسنن الوجود القائمة على الحق، فكشفت العورات وبانت مكامن الضعف، فكانت سيرة الأبوين هو الاندفاع نحو ستر هذه السوأة: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} ، وهذا دليل على بقاء الفطرة وسلامتها، فلم يتبجحا بقبح القول وكفره -كما يفعل بعض ذريتهما- من أن هذا أجمل وأحسن، فيكشف كل واحد سوأته، ويزين ما أمر الله بستره لأنه عورة، ويزعمون أن هذا من حسن الفعل والجمال، إذ انتكست الفطرة، فصار القبيح من السوء والعورة يتفاخر المرء به بين الناس.
هذا هو مصدر ضعف هذا الإنسان الأعظم وهو الشهوة، وهي على ما فيها من جمال كما تقدم ذكره، بل هي أعظم نعم الدنيا وملذاتها؛ كانت هي مصدر ضعفه الذي يأتي إليه الشيطان ليفسده ويضله، فمن تابعها على غير وجهها كان للشيطان وجنده عليه سبيلًا، ومن عاملها وفق أحكام الشرع أخذها على وجهها وتنعم بها وأصاب منها مقاصد الوضع الإلهي الأول -وهو حفظ النسل ودوامه-؛ ولذلك لما أنزل الله الإنسان إلى