الأرض؛ منَّ عليه بمنة الستر في قوله -جل في علاه-: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا} ، وهذا كما تقدم من أن النعم ليست في وجودها لتحقيق الضرورة فقط، بل هي في ذاتها تحقق التحسين والزينة كذلك، وذلك بما ذكر من أمر اللباس وأنه يواري السوأة، وهو كذلك {وَرِيشًا} ، أي للتزين، وأما قوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} ؛ فهذه طريقة القرآن إذ تأخذك فجأة خلال سياقها لنعم الدنيا إلى نعمة أعظم منها، ألا وهي نعمة الأمر والنهي وما فيهما من الخير والفلاح للإنسان، فهو -جل في علاه- بعد أن ذكر نعمة الدنيا ولباسها الساتر لسوأة الإنسان؛ قذف له أعظم منها وهي نعمة التقوى فقال: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى} ، وكما أن اللباس يستر البدن من ظهور سوأته؛ فكذلك لباس التقوى يستر الإنسان من عورات نفسه التي ما لو ظهرت لكان للشيطان وجنده لهما عليه سبيلا، ومثال هذا كذلك في سورة النحل، فإنه -جل في علاه- وهو يسوق النعم الكبرى؛ أتى في سياق ذلك إلى هذا المعنى فقال سبحانه: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ} ، ومعناها قوله سبحانه وتعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} ، وهو دلالة أن التركيب الشرعي على وفق التركيب القدري، فكما أن في الوجود نعم يأتيها المرء على وجه الإباحة؛ فكذلك هي على وجه ما هي معصية، وهو السبيل الجائر في استخدامها وإتيانها -أي في رفع المرء من النظر إلى النعم القدرية إلى نظره وبصره إلى النعم الشرعية-؛ إذ يقول الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا} ، والمقصود زاد السفر من الطعام والشراب، ثم قال سبحانه وتعالى: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ، وهو تذكير بنعمة الشرع الذي يحبه الله تعالى، وهذا هاهنا من نوع ذلك، {وَلِبَاسُ التَّقْوَى} بعد ذكر لباس البدن المادي القدري.
لقد أنزل الله له ما يستر عورته استقذارًا من كشف السوأة، وأنزل له شرعًا هو التقوى حتى يمتنع عن كيد الشيطان وخضوعه له وحصول هلاكه.
هنا تبرز قضية الجنس ورغبة الشهوة الإنسانية كمسألة خطيرة يعالجها القرآن من أصولها لأنها من أكبر منافذ الشيطان على ابن آدم.
وللحديث صلة.