فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 275

تعالى لباسًا يواري السوأة؛ ذكر أمر فتنة نزعه عن الإنسان، وجعل ما تقدم من مثال الأب الأول وما حدث معه نذيرًا للأبناء أن لا يقعوا فيه، فقال: {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} ، والذي تقدم من حال الوالدين في الجنة هو الستر، والتنعم بالنعيم على وجه الإذن والإباحة، ولكن كان هناك وسوسة يريد الشيطان منها أمرًا معلومًا لديه وليس مجهولًا، هو: {لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} ، فالشيطان يعلم عاقبة المعصية، وهي: {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا} ، وأما ذكر قوله تعالى بعد التحذير: {لَا يَفْتِنَنَّكُم} ، وذلك بقوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ} ؛ فهو تطبيق لما تقدم من قول إبليس: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} ، فكيف يأتيه هذا الإتيان الذي لا يصده بدن ولا حاجز نادي؟

كان الجواب: لطف هذا الكائن، وعدم قدرتك على رؤيته، وقدرته هو ومن هو من جنسه على رؤيتك.

هذا من جهة البدن والمادة، والقرآن لا يكتفي بهذا الأمر، بل ذكر أمرًا آخر غير رؤيته لمن أراد بلا حاجز يمنعه، لكن سطوته وسلطانه في الإغواء والإفساد خاص لآحاد الناس ممن قال الله فيهم: {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} ، والذهاب عن موضوع اللباس وتفصيل شأنه وأنه نعمة من الله تعالى وأثره في صد الشيطان بستر العورة إلى موضوع الإيمان -كما هو بيّن في الآية- لأن السيطرة الجزئية سبيل للسيطرة الكلية، كما قال السلف:"المعصية بريد الكفر"؛ فالشيطان يرتقي من موضوع الستر ومخالفته إلى إخراج المرء من الإيمان والكفر به، وكذلك يكون الكفر بالله وترك شرعه سببًا في سيطرة الشيطان ليقع كشف سوأته، وهكذا يكون إمداد المعاصي لتصل إلى الكفر، وهو ما يسمى بكفر المآل والعاقبة، ويكون الكفر بالله سبيلًا للذهاب إلى المعاصي، والذي أظنه -والله أعلم- أن عاقبة البشرية حيث تقوم الساعة هو العري التام، حيث لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق كما في الحديث الصحيح في مسلم من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، وفي الحديث: عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة) . وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وهي حالة كانت تعيشها العرب قبل الإسلام من طواف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت