فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 275

مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ. وكذلك قوله تعالى: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} .

فالعلم بالشرع كما العلم بحقائق الوجود لمن أبصرهما مانع عند العقلاء من اقتراف المعصية.

-ومن موانع اقتراف المعصية هو سيرة الآباء وما هم عليه؛ فإن قولهم: {قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} تصلح دليلًا عكسيًا ما لو كان الآباء على خلاف ما هم فيه، ولذلك لما وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - كالجبال الرواسي لا يتحرك إلى الخلف وسيول الكفر تنهال عليه في أحد؛ إنما استشهد بآبائه الذين هم على هذه الشاكلة من الثبات، فقال: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) ، فإن المرء ليستحي أن يترك المكارم التي جرى عليها آباؤه وأهله.

ومع وجود الآباء الصالحين ممن يمتثل بهم المرء حين حصول الفتن ما قاله بنو إسرائيل لمريم -عليها السلام-: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} ، وقول يوسف -عليه السلام-: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} ، وهذا ولا شك -أي وجود آباء الصدق- إن كان المرء عاقلا أن يمتنع عما يدنس شرفًا وإثلًا قد ورثه منهم.

-ومن موانع اقتراف المعصية: ذكرى سلف أصحابها وما جرى لهم من العواقب، ولهذا قصت علينا سورة الأعراف سيرة أبينا آدم وزوجه، وقصت علينا سير الأمم السابقين، وعاقبة معاصيهم، وهي مانع للعاقل من أن يسير سيرهم، أو يمشي على منوالهم.

-ومن موانعها كذلك عدم الاغترار برب العالمين، وهذا في قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} ، فانظر إلى جرأتهم على المعصية بزعم ما قالوا: {سَيُغْفَرُ لَنَا} ، وهذا يقع في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت