-ثم كان خاتمة ذكر هذا اللفظ القرآني الواصف لحجج الله تعالى على خلقه، مبينة صفة الحجة الإلهية مقابل الباطل وعلم الآباء الذي لا يملك سلطة الحق في نفسه سوى أنه إرث مأخوذ من السابقين بلا برهان، فقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} ، وكلمة الفرح هنا عجيبة، ذلك لأنها تكشف لا مجرد الالتزام بكلمة الآباء، ولكن بافتخارهم وسعادتهم بها، مما يدل أن تلقيهم لبينات السماء كان بكره وغضب، والحال إذا كان هذا؛ فإنه يدل على انتفاعهم بهذا العلم الخبيث، وذلك لما يحصل لهم به من سلطان الباطل، وأخذ الناس به عبيدًا، كما هو شان علوم الجاهلية التي تقابل علوم السماء؛ فإن التاريخ يثبت أن هذه العلوم هي التي تحقق سلطان الطواغيت على عبيدهم، فهم بهذا يفرحون بها، وهو مصداق قوله تعالى عن التابع والمتبوع: {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} .
ومن جمع بين بينات الحق وتكرار لفظها في هذه السورة مع لفظ الجدال علم اتصالهما؛ ذلك لأن الجدال بالباطل يجب أن يقابل بالبينات.
وعود إلى موطن جدال المبطلين:
الآية الثانية التي ذكر فيها جدال المبطلين في سورة غافر قوله تعالى: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} ، ومن عجيب الجواب على هذا الفعل قوله تعالى: {فَأَخَذْتُهُمْ} ، وهذا دليل أن مثل هذا النوع من الجدال لا يحتاج إلى مقارعة الكلمة بالكلمة؛ ذلك لأن هؤلاء ليس مبعث جدالهم طلب الحق، ولا البحث عنه، ولا هم في معرض الذهاب إليه ما لو ظهر على ألسنة خصومهم؛ بل هم همهم الوحيد ما قاله تعالى: {لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} .
والباطل الذي أراده الله هو ما عرضه مما تقدم ذكره، من قوله تعالى: {تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} أي أسر الناس وقتلهم وتعذيبهم، فليس معهم في هذا الميدان إلا هذه الحجج؛ ولذلك كان العرض الإلهي لهذا الحال صورة فرعون حيث قال: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ} .
وكذلك مما يعجب له جواب القرآن على هذا التخطيط والكيد والفعل المجرم بقوله: {وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} ، ذاك لما قال بعدها: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} .