· وفي النحل في موطنين أولاهما: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ... } ، ثم قال في الآية التالية: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} ، وفي قوله تعالى فيها: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا} .
· وفي الفرقان: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} .
· وفي الروم في موطنين: أولاهما في قوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} ، وفي قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} .
· وفي فاطر، قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... } ، ثم قال تعالى بعدها: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} .
· وفي الحجرات، في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} .
· وفي المدثر، في قوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} .
· وفي القيامة، في قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى} .
فأنت ترى أنه ما أن يأتي الخلق في هذه الآيات إلا ويردف لفظ الجعل، والفرق بينهما هو ما قدم الزمخشري، وكلهم قد أخذ منه هذا، لا يخرجون عنه، حتى لو اختلفت عباراتهم في ذلك، ثم أنت ترى أنه إذا اقتصر على أحدهما لم يكن إلا ذكر الخلق فقط، كقوله تعالى في النجم: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى} ، وفي الليل: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} ؛ فورود {فَجَعَلَ} فيما أشار إليه ابن المنير إنما هو لعقب الخلق لا استقلالًا كما يوهم لفظه، ولذلك تبقى كلمة الزمخشري نافذة على التفريق الذي أشار إليه، وليس هو من الترادف في شيء؛ فبعد الخلق يأتي الجعل، إذ الخلق كما قال الالوسي:"يراد به الإنشاء والإيجاد، والجعل يراد به الإنشاء والإبداع"، في كلمة هي تفسير لكلام جار الله الزمخشري كما تقدم.
بقي في هذا الباب مسألة، وهي استقلال سورة النساء في ذكر الخلق مرتين دون ذكر الإيجاد، فما هو سرها وسر افتراقها عن آية سورة الأعراف؟ هذا له كلام آخر، وهو كالتالي إن شاء الله تعالى:
في سورة الأعراف ذكر العرض كما يقولون في الصفات التي أرادها الزمخشري، فهي ما يقال فيها لفظ الجعل، بخلاف الإيجاد للشيء كونًا من أصله، ففيها قوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} ، فهي بيِّنة في العرض، وذلك: