فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 33392 من 36878

4ـ وأما قوله سبحانه: (هلك عني سلطانيه *) الحاقة /29، وزعمهم أن الهلاك لا يستعمل إلا في تلف الأعيان فإنهم ما زادوا أن عابوا أفصح الكلام وأبلغه، وقد تكون الاستعارة في بعض المواضع أبلغ من الحقيقة كقوله عزّ وجلّ: (و ءاية لهم الليل نسلخ منه النهار) يس /37.

والسلخ ها هنا مستعار هو ابلغ منه لو قال نخرج منه النهار وإن كان هو الحقيقة، وكذلك قوله: (فاصدع بما تؤمر) الحجر /94، وهو أبلغ قوله فأعمل بما تؤمر وإن كان هو الحقيقة، والصدع مستعار، وكذلك قوله: (هلك عنّي سلطانيه *) الحاقة / 29، وذلك أن الذهاب قد يكون على مراصده العودة، وليس مع الهلاك بقيا ولا رجعى، وقد قيل إن معنى

السلطان ها هنا الحجة والبرهان.

5ـ وأما قوله سبحانه: (وإنه لحب الخير لشديد *) العاديات / 8، وأن الشديد معناه ها هنا البخيل، واللام في قوله (لحب الخير) بمعنى لأجل حب الخير وهو المال لبخيل.

6ـ وأما قوله عزّ و جلّ: (والذين هم للزكاة فاعلون *) المؤمنون / 4، وقولهم إن المستعمل في الزكاة المعروف من الألفاظ، كالأداء، والإيتاء، والإعطاء ... فالجواب إن هذه العبارات لا تستوي في مراد هذه الآية، وإنما تفيد حصول الاسم فقط، ولا تزيد على أكثر من الأخبار على أدائها فحسب، ومعنى الكلام ومراده المبالغة في أدائها والمواظبة عليه حتى يكون ذلك صفة لازمة لهم فيصير في أداء الزكاة فعلًا لهم مضافًا إليهم يعرفون به، فهم له فاعلون، وهذا المعنى لا يستفاد على الكمال إلا بهذه العبارة، فهي إذن أولى العبارات وأبلغها في هذا المعنى.

7ـ وأما قوله عزّ وجلّ: (سيجعل لهم الرحمان ودا) مريم /96، وإنكارهم قول من يقول: جعلت لفلان ودًا، بمعنى وددته فإنهم قد غلطوا في تأويل هذا الكلام، وذهبوا عن المراد منه، وإنما المعنى أن الله سيجعل لهم في قلوب المؤمنين، أي يخلق لهم في صدور المؤمنين، ويغرس لهم فيها محبة كقوله عزّ وجلّ: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا ... ) النحل / 72، أي خلق.

8 ـ وأما قوله سبحانه: (ردف لكم) النمل / 72، فإنهما لغتان فصيحتان: ردفته وردفت له كما نقول نصحته، ونصحت له.

9ـ وأما قوله: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) الحج /25، ودخول الباء فيه فإن هذا الحرف كثيرًا ما يوجد في كلام العرب الأول الذي نزل القرأن به، وإن كان يعز ووده في كلام المتأخرين، قال أبو عمرو بن العلاء: اللسان الذي نزل به القرآن، وتكلمت به العرب على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عربية أخرى عن كلامنا هذا.

نقول: قد قيل إن الباء زائدة، والمعنى: ومن يرد فيه إلحادًا والباء قد

تزاد في مواضع من الكلام، ولا يتغير به المعنى، وعليه شواهد من كلام العرب (1) .

لقد كان الخطابي دقيقًا فيما أورده من إفاضات في هذا المجال استند فيها إلى المتبادر في العرف العربي العام واستشهد على صحة ذلك بالموروث الأدبي عند العرب شعرًا ومثلًا وكلمة وقولًا مصداقًا على ما يريد، وقلّب كل لفظ في وجوهه المحتملة فضلًا عن استنارته بآراء علماء العربية وأهل اللغة وأئمة البيان مستوفيًا بذلك موقع اللفظ في دلالته على المعنى، وصحته اختياره في استيفاء المؤشر الدلالي، مؤكدًا على العرف العربي والاستعمال البياني، والأصالة اللغوية، في كشف الدلالات التي ينطوي عليها اللفظ المختار في الآيات المشار إليها اللفظ ذاته دون سواه، ومعللًا بفطرة نافذة دقة التركيب من خلال وضع الألفاظ بإمكانها المحددة لها، بحيث لو استبدلت بالمرادف أو المساوي لفقدت مميزات لا تتوافر باللفظ البديل، ولو جرت على سنن ما يفترض المدعون لافتقرت إلى عبارات إضافية من أجل أن يخلص إلى المعنى الذي يريده القرآن في ألفاظه المنتقاة إزاء الدلالات المقصودة بالذات.

أما أنواع الدلالات وأقسامها في كل من البحث الدلالي والقرآن فهو معلم مستفيض ينهض بعمل فني مستقل يشمل مدارك الدلالات كافة، وقد أرجأنا الحديث عنها إلى مبحث خاص بإذن الله تعالى.

(1) الخطابي، بيان إعجاز القرآن: 41 - 48.

ـ [د. عليّ الحارثي] ــــــــ [02 - 08 - 2007, 10:59 ص] ـ

حياك الله أخي فصيحويه , واعذرني على التأخير؛ فقد شغلتني أمور أخرى في الفصيح وفي غيره.

أخي الكريم: أقدّر لك غيرتك على الفصحى وحرصك على تجديد درس البلاغة في مؤسساتنا, وهي دعوة مشروعة, لاسيما ونحن نشهد تأخرًا واضحًا في مستوى طلابنا في العربية وعلومها. ولكنّ الأمر ليس مما يقوم به فرد , بل يحتاج إلى تآزر جهود المختصين لوضع اليد على مكامن الداء , والبحث عن السبل الموصلة إلى تنمية إحساس الجيل الحاضر بجمال لغتهم! وهذا الأمر يشغلني منذ مدة , وقد تمخضت عن انشغالي به فكرة كتاب جمعتُ فيه ما يسرك في هذا الباب , وأرجو أن يعينني الله على إتمامه! وفي مشروعي العلمي الذي قد تطول مدة إنجازه تجديدات لهذا العلم , وتناول أحسبه جديدا, يعرض علوم البلاغة كما فهمها الجيل الأول حين كان التعويل فيه على الأدب ,الذي تستوي في إنتاجه وتلقيه قرائح العرب ,وليس هذا قدحًا في بلاغة المتاخرين؛ فبها كان تبويب العلم وتفرع تقسيماته واتساع شروحه التي لاغنى عنها للعالم والمتعلم , ولكننا في حاجة إلى رد تلك التقسيمات إلى أصولها المبنية على الذوق والحس الأدبي مع الحفاظ عليها في الوقت نفسه , ففي كلٍ خير! وقد فعلتُ شيئًا من ذلك في كتابٍ لي سيصدر بعد مدة يسيرةٍ إن شاء الله.

والكلام في هذا لا ينتهي ,ولكن هذا ما يسعف به وقتي, وجزاك الله خيرًا على اهتمامك بالدعوة إلى تجديد طرق تدريس البلاغة وبث الروح الأدبية في مناهجها, وثق أن في أساتذة البلاغة من يشغله هذا الهمّ , ويعمل على أن يضرب فيه بسهم.

اسأل الله أن يعين المخلصين ويوفق العاملين للنهوض بهذه اللغة الشريفة, والله يرعاكم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت