صدق النساء, وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك, فلو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها, فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم"قال, ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش, فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم, فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ فقال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} قال, فقال: اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب". قال أبو يعلى قال وأظنه قال:"فمن طابت نفسه فليفعل"، قال ابن كثير: إسناده جيد قوي.
وهذا الأمر ينبغي على ولاة الأمر تبيينه للرعية وحضهم عليه، وهو أن للرعية إبداء النصح في سياسة الحكومة الداخلية والخارجية, وعلى الحكومة استماع النصيحة, وقبول الحق ممن أشار به.
والنصيحة من أفراد الرعية قد تأتي نصيحة مختصرة, وقد تأتي كتابا موسعا, أو بحثا علميا مفصلا, وينبغي لولاة الأمر تنظيم استقبال المشورة والنصح من الرعية, وترتيبه إداريا بما يحقق المصلحة الشرعية.
وفي تربية الأمة وحضها على مشاورة ومناصحة الولاة في شؤون الدولة تتحقق الكثير من المصالح, ومنها أن هذا مما أوجبته الشريعة الإسلامية من التواصي بالحق والتواصي بالصبر, والنصيحة لأئمة المسلمين.
ومن المصالح تربية المسلمين على المشاورة والمناصحة, وتنوير للقرائح, وإعمال للعقول, وصقل للمواهب, كما تبرز في الأمة القيادات المؤهلة, وأهل الخبرة المؤهلون لقيادة الأمة.
ومنها أن استماع النصيحة من الرعية يذهب الشعور باستبداد ولاة الأمر في سياسة الدولة, فإن الشعور بالاستبداد يضعف طاعة الرعية للأمراء، ويضعف نصرتهم لهم وتعاونهم معهم, ويصدهم عن العمل الجاد في بناء الدولة.
ومن المصالح في المشورة والنصيحة الوصول إلى الحق والصواب, وتحري العدل في سياسة الدولة وما يطرأ من نوازل.
ومن المصالح أن في استماع المشورة والنصيحة تطييبًا لنفوس الرعية وتأليفًا لقلوبهم, وزيادة في محبتهم لولاة الأمر, وأما الاستبداد فهو من أعظم أسباب الضغائن والأحقاد بين الرعية والولاة.
ومن المصالح أن يتبين للمسلمين الطريق الشرعي الذي يجب أن يتبعوه ويشاركوا فيه لإصلاح سياسات الحكومة الداخلية والخارجية, وتقويم ولاة الأمور, وأن يتبين لهم سبيل الديمقراطيين من الكافرين والمرتدين الذين يلبسون على الناس ويدعونهم إلى ما يسمونه"بالمشاركة الشعبية"وهي مشاركة شركية, تعني أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله حين يختار بعضهم بعضا حكاما ومشرعين برلمانيين يشرعون لهم ما توحيه إليهم شياطينهم، كما قال تبارك وتعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} .
وأما رد النصيحة والامتناع عن قبول الحق فهو من صفات أهل الكبر والعلو في الأرض, وقد أخبر الله تعالى عن فرعون أنه قال: {مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} ,و قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ