عمر بيده إذن لأقصنه منه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم", فقوله رضي الله عنه:"ولا تجمروهم"من التجمير، وهو أن يترك المجاهدون في الغزو، ولا يقفلون إلى أزواجهم, وقوله:"فتكفروهم"أي إذا منعتموهم حقوقهم ربما كان ذلك سببا في وقوعهم في الردة والكفر, وقوله:"ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم"فالغياض جمع غيضة، وهي الشجر الملتف، لأنهم إذا نزلوا فيها تفرقوا فيتمكن منهم العدو."
وقال علي بن الجعد: أنبأنا شعبة عن سيار الشعبي"قال: أخذ عمر فرسا من رجل على سوم فحمل عليه فعطب, فخاصمه الرجل فقال: اجعل بيني وبينك رجلا. فقال الرجل: إني أرضى بشريح القاضي, فقال شريح: أخذته صحيحا سليما وأنت له ضامن حتى ترده صحيحا سليما, قال فكأنه أعجبه فبعثه قاضيا، وقال: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه, فإن لم يستبن في كتاب الله فمن السنة, فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك".
وقد وجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه درعه عند يهودي فتقاضيا عند شريح, فحكم شريح بالدرع لليهودي, فقال اليهودي:"أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه، أشهد أن هذا للحق, أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, وأن الدرع درعك، كنت راكبا على جملك الأورق, وأنت متوجه إلى صفين, فوقعت منك ليلا فأخذتها"وقد ذكر أبو نعيم في الحلية القصة بطولها.
وأقام عمر رضي الله عنه حد الخمر على عامله قدامة بن مظعون، بعد أن شهد عليه أبو هريرة رضي الله عنه والجارود، وقد أخرج القصة عبد الرزاق.
وقال ابن قدامة رحمه الله:"ويجري القصاص بين الولاة والعمال وبين رعيتهم، لعموم الآيات والأخبار، ولأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم، ولا نعلم في هذا خلافا، وثبت عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه عاملا أنه قطع يده ظلما: لئن كنت صادقا لأقيدنك منه. وثبت أن عمر رضي الله عنه كان يقيد من نفسه. وروى أبو داود قال: خطب عمر فقال: إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل به ذلك فليرفعه إلي أقصه منه. فقال عمرو بن العاص: لو أن رجلا أدب بعض رعيته أتقصه منه؟ قال: أي والذي نفسي بيده أقصه منه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقص من نفسه. ولأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم، وهذان حران مسلمان ليس بينهما إيلاد، فيجري القصاص بينهما كسائر الرعية" [1] .
وفي قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه:"والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله"إشارة إلى الرحمة بالضعفاء وإنصافهم, وحمايتهم وحفظ حقوقهم, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق، ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع"رواه الطبراني وغيره, وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كيف تقدس أمة لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم"رواه ابن حبان, وعن ربيعة بن يزيد"أن معاوية كتب إلى مسلمة بن مخلد أن سل"
(1) المغني.