واعتسافها مع غياب الشورى ومحاسبة الولاة ومحاكمتهم, وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الملك بالعاض والجبرية، فعن سلمان أن عمر قال له:"أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة فاستعبر عمر" [1] .
وعن سفيان بن أبي العوجاء قال قال عمر بن الخطاب:"والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم, قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا, قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق فأنت بحمد الله كذلك, والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا فسكت عمر".
فالولايات من الأمانات التي يجب أن تسند إلى أهلها, كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال"بيْنَمَا النَّبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم في مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جاءَهُ أعْرابِيُّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ فَمَضَى رسُولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يُحَدِّثُ، فقَال بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِه ما قَالَ، وقَالَ بَعْضُهمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ"أيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ"قَال: ها أنَا يَا رسُولَ اللَّه، قَالَ"إذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانةُ فانْتَظِرِ السَّاعةَ"قَالَ: كَيْفَ إضَاعَتُهَا قَالَ:"إذَا وُسِّد الأمْرُ إلى غَيْرِ أهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعة"رواهُ البُخاري، فإذا أسند الإمام الولاية لابنه واستبد بالأمر مع وجود من هو أولى وأحق بالولاية وكان الإمام قادرا على إسناد الإمامة للأولى ولم يفعل فقد خالف أمر الله بأداء الأمانة إلى أهلها، وقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} , وقال تعالى {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُو ا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاعْلَمُو ا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} , فإن الأموال والأولاد من الفتنة التي تصد العبد عن أداء الأمانة إلى أهلها، قال العلامة السعدي رحمه الله:"ولما كان العبد ممتحنًا بأمواله وأولاده، فربما حملته محبته ذلك، على تقديم هوى نفسه، على أداء أمانته، أخبر الله تعالى أن الأموال والأولاد فتنة يبتلي الله بهما عباده، وأنهما عارية، ستؤدى لمن أعطاها، وترد لمن استودعها" [2] ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين، أصلح من يجده لذلك .. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من وُلي من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين. وهذا واجب عليه، فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات، من نوابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان، والقضاة، ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر .. فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة أو صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية والتركية والرومية، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} , ثم قال:
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد.
(2) تيسير الكريم الرحمن.