الدفتر الذي يكتب فيه أهل العطاء والجيش، وليس في أخذ عمر رضي الله عنه كتابة الديوان من غير المسلمين اتباعا لهم في شيء من شرعهم, وإنما هو من الأمور الإدارية العامة التي يستفاد منها في الإحصاء والضبط، وهو يشبه اليوم استخدام الحاسوب في الأمور الإدارية وإن كان من صنع الكفار.
و من الشورى في القضاء والفتوى ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى بإسناده عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال:"كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم, فإن لم يجد في الكتاب نظر هل كانت من النبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة فإن علمها قضى بها, وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال: أتاني كذا وكذا فنظرت في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجد في ذلك شيئا، فهل تعلمون أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء، فربما قام إليه الرهط فقالوا: نعم قضى فيه بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ... قال جعفر: وحدثني ميمون أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان لأبي بكر رضي الله عنه فيه قضاء، فإن وجد أبا بكر رضي الله عنه قد قضى فيه بقضاء قضى به، وإلا دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم، فإذا اجتمعوا على الأمر قضى بينهم".
وروى الإمام مالك في الموطأ عن أبي الرجال عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن"أن رجلين استبا في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أحدهما للآخر: والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية. فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال قائل مدح أباه وأمه وقال آخرون. قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا نرى أن تجلده الحد فجلده عمر الحد ثمانين".
وعن المغيرة بن شعبة، عن عمر رضي الله عنه: أنه استشارهم في إملاص المرأة، فقال المغيرة: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالغرَّة، عبد أو أمة، فشهد محمد بن سلمة: أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم قضى به"متفق عليه."
وعن قبيصة بن ذؤيب أنه قال:"جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه تسأله ميراثها، فقال: مالك في كتاب اللّه تعالى شاء، وما علمت لك في سنة نبيِّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعطاها السدس، فقال أبو بكر"هل معك غيرك"فقام محمد بن مسلمة فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر رضي اللّه عنه"رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وعن الشعبي قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى شريح"إذا أتاك أمر في كتاب الله تعالى فاقض به، ولا يلفتنك الرجال عنه، فإن لم يكن في كتاب الله وكان في سنة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فاقض به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم فاقض بما قضى به أئمة الهدى، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ولا فيما قضى به أئمة الهدى، فأنت بالخيار: إن شئت تجتهد رأيك، وإن شئت أن تؤامرني، ولا أرى مؤامرتك إياي إلا أسلم لك" [1] , والمؤامرة أي المشاورة.
(1) سنن البيهقي الكبرى.