وعن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة"فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال: يا رسول الله اقبل عني عملك قال:"وما لك؟"قال: سمعتك تقول كذا وكذا قال:"وأنا أقول الآن من استعملناه منكم على عمل فليجاء بقليله وكثيره فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى"رواه مسلم وأبو داود وغيرهما.
وقال صلى الله عليه وسلم:"ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله مغلولا يده إلى عنقه فكه بره أو أوثقه إثمه: أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة"رواه أحمد.
وقال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه"باب: يستحب للكاتب أن يكون أمينا عاقلا"ويريد بذلك كاتب الحاكم وغيره، ثم ذكر قصة زيد بن ثابت مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في جمع القرآن، والشاهد منها قول أبي بكر رضي الله عنه لزيد:"إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك", وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي استكتب عبد الله بن أرقم فكان يكتب عبد الله بن أرقم، وكان يجيب عنه الملوك، فبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ثم يأمره أن يكتب ويختم ولا يقرأه لأمانته عنده، ثم استكتب أيضا زيد بن ثابت، فكان يكتب الوحي، ويكتب إلى الملوك أيضا، وكان إذا غاب عبد الله بن أرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى بعض أمراء الأجناد والملوك أو يكتب لإنسان كتابا يقطعه أمر جعفرا أن يكتب، وقد كتب له عمر وعثمان، وكان زيد والمغيرة ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن قد سمي من العرب" [1] ."
وإذا قدم الإمام غير المستحق للولاية مع الوجود الأولى فقد خان في أداء الأمانة، وفي هذه الحالة لا يقر على فعله، ويحاسب ويحاكم أمام القضاء الشرعي الذي يفصل النزاع في أي الناس أولى بالولاية، لقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} .
ولا تجوز تولية الكفار والمنافقين في الولايات العامة كالإمارة والوزارة ونحوها، وقد قال الله تبارك وتعالى {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. هَآأَنْتُمْ أُوْلا ءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُو ا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ، وعن أبي الدهقانة قال"قيل لعمر بن الخطاب إن ههنا غلاما من أهل الحيرة لم ير قط أحفظ منه ولا أكتب منه، فإن رأيت أن تتخذه كاتبا بين يديك إذا كانت لك الحاجة شهدك قال فقال عمر: قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين"رواه ابن أبي شيبة وغيره، وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا ابن الطباع ثنا هشيم عن العوام بن حوشب عن الأزهر بن راشد عن أنس بن مالك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} يقول:"لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم"، وقال ابن جرير رحمه الله:"وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين كانوا"
(1) السنن الكبرى للبيهقي.