فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 309

وعلى الدولة أن تهيء للناس الوظائف والأعمال، وأن تصرف للموظفين والعمال أجورهم وأرزاقهم, فعن عبد الله بن السعدي"أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا، فإذا أعطيت العمالة كرهتها. فقلت بلى. فقال عمر: ما تريد إلى ذلك؟ فقلت: إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين. قال عمر: لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم"يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالا فقلت: أعطه أفقر إليه مني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"خذه فتموله وتصدق به فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك"رواه البخاري, قال الحافظ ابن حجر رحمه الله"قال الطبري في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك كالولاة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة وشبههم لإعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر العمالة على عمله. وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء واحتج أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة وجعل لهم منها حقا لقيامهم وسعيهم فيها" [1] .

وعن المستورد بن شداد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من ولي للناس عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا, وليس له الزوجة فليتزوج, أو ليس له خادم فليتخذ خادما, أو ليست له دابة فليتخذ دابة, ومن أصاب شيئا سوى ذلك فهو غال"رواه أحمد وأبو داود, والحديث يدل على أن رزق العامل ينبغي أن يكون بقدر الكفاية.

كما يجب على الحكومة إعطاء الموظفين والعمال أجورهم دون تأخير أو مماطلة أو نقص, وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} , وهذا أمر يقتضي وجوب الوفاء بالعقود، ومنها العقود التي بين الناس في المعاملات كالإجارة وغيرها, وقال صلى الله عليه وسلم:"قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة, رجل أعطى بي ثم غدر, ورجل باع حرا فأكل ثمنه, ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره"رواه مسلم, وقال صلى الله عليه وسلم:"أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه"رواه ابن ماجه وغيره, وفي الحديث الحث على إعطاء الأجرة والتعجيل في ذلك.

كما يجب العدل في العطاء بين المسلمين والتسوية بينهم في القسم، وألا يقدم أحد على أحد لأجل قرابة ونحوها, وإن ضاق المال عن الجميع فيقدم أصحاب الحاجات على الأغنياء، والعطاء هو ما يعطى للمسلمين في كل عام مرة واحدة أو مرتين, وأما الرزق فهو المال الذي يعطى في كل شهر لمن يقوم بمصالح المسلمين.

كما يجب على الدولة أن تسد حاجات العاجزين على العمل والكسب كالأطفال وغيرهم حتى تحصل لهم الكفاية, وقد قال صلى الله عليه وسلم:"والذي نفس محمد بيده إن على الأرض من مؤمن إلا أنا أولى الناس به، فأيكم ما ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه، وأيكم ترك مالا فإلى العصبة من كان"متفق عليه, ومعنى"ضياعا"أي أطفالا

(1) فتح الباري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت