ابن تيمية رحمه الله"اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة. فالواجب في كل ولاية، الأصلح بحسبها" [1] .
والخيانة في العمل لها صور كثيرة، ومنها أن يأخذ القاضي أو العامل رشوة أو هدية على عمله، وقد قال تعالى: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} ، أي الحرام وهو الرشوة، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"الرشوة في الحكم كفر، وهي بين الناس سحت"رواه الطبراني، وعن أبي وائل عن مسروق قال:"القاضي إذا أخذ هدية فقد أكل السحت، وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر"رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي"رواه أبوداود والترمذي.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم"رواه الترمذي وغيره.
وعن أَبِي حُميْد عبْدِ الرَّحْمن بنِ سعدٍ السَّاعِدِيِّ رضي اللَّه عنه قال: اسْتعْملَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم رَجُلًا مِن الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قال: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهدِيَ إِلَيَّ فَقَامَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم على الْمِنبرِ، فَحمِدَ اللَّه وأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قال:"أَمَّا بعْدُ فَإِنِّي أَسْتعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ على الْعمَلِ مِمَّا ولاَّنِي اللَّه، فَيَاتِي فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَت إِلَيَّ، أَفَلا جلس في بيتِ أَبيهِ أَوْ أُمِّهِ حتَّى تاتِيَهُ إِنْ كَانَ صادقًا، واللَّه لا ياخُذُ أَحدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حقِّهِ إلاَّ لَقِيَ اللَّه تَعالَى، يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، فَلا أَعْرفَنَّ أَحدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّه يَحْمِلُ بعِيرًا لَهُ رغَاءٌ، أَوْ بَقرة لَهَا خُوارٌ، أَوْ شاةً تيْعَرُ ثُمَّ رفَعَ يَديْهِ حتَّى رُؤِيَ بَياضُ إبْطيْهِ فقال"اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ"ثلاثًا"متفقٌ عليه، وقال صلى الله عليه وسلم:"الهدية إلى الإمام غلول"رواه الطبراني، ومثل الهدية للأمراء محاباتهم في المعاملات كالبيع والشراء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وما أخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق فلولي الأمر العادل استخراجه منهم كالهدايا التى يأخذونها بسبب العمل قال أبو سعيد الخدري رضى الله عنه: هدايا العمال غلول. وروى ابراهيم الحربي في كتاب الهدايا عن ابن عباس رضى الله عنهما إن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"هدايا الأمراء غلول"..."
وكذلك محاباه الولاة في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة والمساقاه والمزارعة ونحو ذلك هو من نوع الهدية، ولهذا شاطر عمر بن الخطاب رضى الله عنه من عماله من كان له فضل ودين لا يتهم بخيانة، وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضى ذلك لأنه كان إمام عدل يقسم بالسوية" [2] ."
ومن الخيانة في العمل استغلال الوظيفة لسرقة المال العام، أو صرفه في غير مصارفه الشرعية، فعن خَوْلَةَ بِنْتِ عامِرٍ الأَنْصَارِيَّةِ، قالت: سمِعْتُ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ"إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامةِ"رواه البخاري.
(1) مجموع الفتاوى.
(2) مجموع الفتاوى.