الجزئيات على تلك الكليات موكولا إلى نظر المجتهد، فإن قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة، فلا بد من إعمالها ولا يسع تركها" [1] ."
لقد تمسك الصحابة بكتاب الله تعالى وتأسوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث اجتمعت هممهم على اتباع القرآن، و التخلق بأخلاقه، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن، ولم تشب علومهم، وتشتت هممهم، وتصرفهم عن القرآن، وتشغلهم عن الجهاد، ما أحدثه من جاء بعدهم من البدع والأهواء، والاستحسانات العقلية، والأقيسة الفاسدة، و الفلسفة، والمنطق، وقد قال الله تبارك وتعالى: {اتَّبِعُوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} ، وقال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} ،وقد أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس في قوله: {حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال"يحلّلون حلاله، ويحرّمونه حرامه، ولا يحرّفونه عن مواضعه".
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن مسعود قال في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال:"أي يحل حلاله ويحرّم حرامه، و يقرأ ه كما أنزل، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأوّل منه شياء غير تأويله".
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال:"يتبعونه حق اتباعه".
و أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} قال:"يتكلّمون به كما أنزل ولا يكتمونه".
وعن القاسم بن معوّف الشيباني قال: سمعت ابن عمر يقول: لقد لبثنا برهة من الدهر وأحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، تنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما يتعلم أحدكم السورة، ولقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، يقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يعرف حلاله ولا حرامه ولا أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، وينثره نثر الدقل" [2] ."
وعن جندب بن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان، فتعلّمنا الإيمان قبل أن نتعلّم القرآن، ثم تعلّمنا القرآن فازددنا به إيمانا" [3] ."
و قال الحسن:"من أحب أن يعلم ما هو فليعرض نفسه على القرآن" [4] .
وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، قال:"حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا".
(1) الاعتصام
(2) الإيمان لابن مندة
(3) رواه ابن ماجه وابن مندة في الإيمان
(4) كتاب الزهد لابن المبارك