وقال ابن جرير حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي، قال: سمعت أبي يعقوب يقول: حدثنا الحسين بن واقد، قال: حدثنا الاعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود، قال:"كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن"، فتأمل قوله رضي الله عنه"حتى يعرف معانيهن والعمل بهن"وهو يبين منهج الصحابة رضي الله عنهم في تلقي القرآن، فقد كانوا يتدبرون آياته، وينقادون لأوامره وينتهون عما نهى عنه، وبهذا حصل لهم التمكين في الأرض والنصر على أعدائهم، وهذه الهداية في التلقي هي التي خالفهم بها كثير من الخلف، وهذه المخالفة في التلقي عند الكثير من الخلف هي السبب الحقيقي في تنكب الكثير عن التمسك بالكتاب والسنة علما وعملا في السياسة وغيرها، وإبطائهم عن الجهاد في سبيل الله، وهي السبب الحقيقي وراء ظاهرة غياب من تحصل بهم الكفاية من أهل العلم عن مواطن الجهاد ومنازلة الأعداء، وإعراض بعض أهل العلم عن تبليغ الرسالة كاملة والصدع بكلمة الحق.
لقد أوجب الله تعالى على عباده أن يقرأوا سورة الفاتحة في كل ركعة، وقد تضمنت سؤال الله تعالى الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الذي لا عوج فيه، لضرورة العباد إلى هداية الله وتوفيقه في جميع الأحوال والأوقات وفي كل قول وعمل.
وسؤال الهداية يتضمن التوفيق إلى الحق والثبات عليه، وأن يزيد الله تعالى عبده هداية وتوفيقا، وأن يهديه إلى العلم بتفاصيل الأحكام وجزئياتها، وأن يهديه للعمل بالعلم، فإن العبد قد يفوته الكثير من العلم والعمل، وقد يتمكن من التعلم، ولكنه يحتاج إلى هداية الله له بالعمل بالعلم.
فالصراط المستقيم هو دين الإسلام، وهو طريق الذين أنعم الله عليهم، الذين عملوا بالعلم والمواعظ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كما قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا. وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا. وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا .. وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَائِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَائِكَ رَفِيقًا. ذالِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} .
ثم يسأل المصلي ربه ألا يجعله من المغضوب عليهم ولا الضالين، وهؤلاء هم الزائغون عن صراط الله المستقيم، فالمغضوب عليهم هم الذين علموا ولم يعملوا كاليهود ومن فسق وزاغ من علماء الأمة، والضالون الذين عملوا بلا علم كالنصارى ومن ابتدع وضل من عباد الأمة.
فتضمنت فاتحة الكتاب التي يقرأها المسلم في كل ركعة المنهاج السياسي لكل مسلم، وهذه مسألة عظيمة عليها مدار الهداية.
فبينت فاتحة الكتاب أن الهداية في جميع الأمور السياسية وغيرها تكون باتباع المسلم لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والعمل بهما، فإن التلقي في السياسة وغيرها من غير الكتاب والسنة ضلال وخروج عن الصراط المستقيم، كنسبة بعض علماء السوء سياسات الملوك الجائرة للإسلام، أو تلقف بعض المفتونين ما افتراه الكفار المفترون من