فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 309

وقال البيهقي في كتابه المدخل إلى السنن الكبرى:"باب ما يستحب للعالم من توقي المشتبهات، لئلا يغتر به الجاهل فيقع في الحرام", ثم ذكر بإسناده عن نافع أن أسلم مولى عمر حدث عبدالله بن عمر"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا، فقال: ما بال هذا الثوب المصبوغ عليك؟ فقال طلحة: ليس به بأس إنما هو مدر. فقال عمر رضي الله عنه: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس، وأن جاهلا لو رآى هذا الثوب، لقال: طلحة كان يلبس الثياب المصبوغة، فلا يلبس أحد منكم أيها الرهط من هذه الثياب المصبوغة شيئا وهو محرم".

وينبغي لولاة الأمر أن يتجنبوا التنعم في الدنيا والترف الذي يضعف الإيمان والأبدان, فلا تصبر على الشدائد ومشقة الجهاد, ولا تنهض بأعباء الحرب, فعن معاذ بن الجبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث به إلى اليمن قال له:"إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين"رواه أحمد والبيهقي, وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم، الذين يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام"رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الغيبة وغيره, وعن أبي عثمان قال:"كتب إلينا عمر ونحن بأذربيجان: يا عتبة بن فرقد إنه ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا من كد أمك, فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك"رواه مسلم, وعند أبي عوانة من وجه آخر سبب قول عمر رضي الله عنه، وهو أن عتبة بن فرقد بعث إلى عمر مع غلام له بسلال فيها خبيص عليه اللبود, فلما رآه عمر قال: أيشبع المسلمون في رحالهم من هذا؟ قال: لا, فقال عمر لا أريده وكتب إلى عتبة .."وفي هذا الأثر أن الأمير يتساوى مع المسلمين في النفقة، ولا يتميز عنهم بشيء من ذلك, وأن يوصل أرزاقهم إلى منازلهم, ولا يحوجهم إلى المطالبة بحقهم, وقوله:"إياكم والتنعم، وزي أهل الشرك"وفي هذا نصح لهم أن يعتادوا الصلابة والقوة والتقشف والخشونة في معيشتهم، وفي زيادة عند أبي عوانة وغيره:"واخشوشنوا"من الخشونة في المعيشة, قال ابن جرير رحمه الله:"يأمرهم في ذلك بالتخشن في عيشهم، لئلا يتنعموا فيركنوا إلى خفض العيش، ويميلوا إلى الدعة، فيجبنوا ويحتموا عن أعدائهم" [1] ."

وينبغي للولاة أن يتجنبوا ما فيه خيلاء من المراكب, واللباس, والبيوت وغيرها, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كلوا واشربوا وتصدقوا ما لم يخالطه إسراف ولا مخيلة"رواه النسائي وابن ماجه, وقال ابن وهب أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ركب برذونا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه، فلا يزداد إلا تبخترا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي", قال ابن كثير: إسناده صحيح, فعمر رضي الله عنه نزل عنه عندما اختال في مشيته, ومثله السيارة الفارهة التي تحدث الفخر والكبر في القلب, مع ما توقع في قلوب بعض الفقراء من سوء الظن بالأمراء ونقص الثقة بهم وما تولد من الأحقاد في قلوب البعض إذا رأوا الأمراء يركبون السيارات الفارهة ويلبسون أغلى الثياب ويأكلون أنواع الطعام, والفقراء لا يجدون إلا القليل من حاجاتهم, فعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من ترك اللباس تواضعا لله وهو"

(1) جامع البيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت