فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"رواه مسلم, وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} , وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده"رواه أبو داود والترمذي, وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يتكلم بحق إذا رآه أو شهده أو سمعه"رواه أحمد وغيره, وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحقرن أحدكم نفسه إذا رأى أمرا لله فيه مقال أن يقول فيه، فيقال له يوم القيامة ما منعك أن تقول فيه؟ فيقول: رب خشيت الناس. قال: فأنا أحق أن تخشى"رواه أحمد وغيره, وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: أنت ظالم. فقد تودع منهم"رواه أحمد، وقال صلى الله عليه وسلم:"المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه"رواه أبو داود وغيره، وقال أبو هريرة رضي الله عنه:"المؤمن مرآة أخيه إذا رأى فيها عيبا أصلحه"رواه البخاري في الأدب المفرد."
والإمام والأمراء ينصحون سرا, وينصحون وينكر عليهم علانية, والمرجع في ذلك إلى المصلحة الشرعية, فإذا كان في الإعلان بالإنكار إثارة فتنة ومفسدة أعظم من المنكر، فينبغي في هذه الحالة الإسرار بنصيحة الإمام أو الأمير, وإذا كانت المصلحة بالإنكار علانية كما لو جاهر الإمام أو الأمير بفعل المنكر أمام الناس، ففي هذه الحالة ينكر عليه علانية, وقد جاءت النصوص والآثار بهذا وهذا.
فمن الأدلة على الإسرار بالإنكار والنصح, قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به, فإن قبل منه فذاك, وإلا كان قد أدى الذي عليه"رواه أحمد والحاكم وابن أبي عاصم في كتاب السنة, وعن شقيق عن أسامة بن زيد قال قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم, والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه, ولا أقول لأحد يكون على أمير إنه خير الناس بعد ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار, فتندلق أقتاب بطنه, فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى, فيجتمع إليه أهل النار, فيقولون: يا فلان مالك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه, وأنهى عن المنكر وآتيه"رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
ومن الأدلة على الإعلان بالإنكار والنصح, ما رواه مسلم في صحيحه عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان, فقام إليه رجل, فقال: الصلاة قبل الخطبة. فقال: قد ترك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان".
وعن أبي قبيل"عن معاوية بن أبي سفيان أنه صعد المنبر يوم الجمعة, فقال عند خطبته: إنما المال مالنا, والفيء فيئنا, فمن شاء أعطيناه, ومن شئنا منعناه. فلم يجبه أحد, فلما كان الجمعة الثانية قال مثل ذلك, فلم يجبه أحد,"