فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 309

فلما كان الجمعة الثالثة قال مثل مقالته, فقام إليه رجل ممن حضر المسجد, فقال: كلا إنما المال مالنا والفيء فيئنا, فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا. فنزل معاوية فأرسل إلى الرجل فأدخله, فقال القوم: هلك الرجل. ثم دخل الناس فوجدوا الرجل معه على السرير, فقال معاوية للناس: إن هذا الرجل أحياني أحياه الله, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"سيكون أئمة من بعدي يقولون ولا يرد عليهم, يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة"وإني تكلمت أول جمعة فلم يرد عليَّ أحد, فخشيت أن أكون منهم, ثم تكلمت في الجمعة الثانية فلم يرد عليَّ أحد, فقلت في نفسي: إني من القوم. ثم تكلمت في الجمعة الثالثة, فقام هذا الرجل فرد عليَّ فأحياني أحياه الله"رواه الطبراني وأبويعلى، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وروى الطبراني عن محمد بن عقبة قال:"خطب معاوية فتكلم بشيء مما ينكره الناس فردوا عليه فسره ذلك, وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يكون أمراء يقولون ولا يرد عليهم, يتهافتون في النار يتبع بعضهم بعضا"حسنه الألباني.

وقد جاءت الشريعة بالنهي عن مداهنة الأمراء والسكوت عن منكراتهم, والنهي عن مدحهم في وجوههم, فعن ابن عمر رضي الله عنهما"أن ناسا قالوا له إنا ندخل على سلاطيننا, فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم؟ قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم"رواه البخاري، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"قوله فنقول لهم أي نثني عليهم. وفي رواية الطيالسي: فنتكلم بين أيديهم بشيء. ووقع عند ابن أبي شيبة من طريق أبي الشعثاء قال: دخل قوم على ابن عمر فوقعوا في يزيد بن معاوية, فقال: أتقولون هذا في وجوههم؟ قالوا: بل نمدحهم ونثني عليهم. وفي رواية عروة بن الزبير عند الحارث بن أبي أسامة والبيهقي قال: أتيت ابن عمر فقلت: إنا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء, فيتكلمون في شيء نعلم أن الحق غيره فنصدقهم, فقال: كنا نعد هذا نفاقا, فلا أدري كيف هو عندكم. لفظ البيهقي, وفي رواية الحارث: يا أبا عبد الرحمن إنا ندخل على الإمام يقضي بالقضاء نراه جورا, فنقول: تقبل الله. فقال: إنا نحن معاشر محمد فذكر نحوه ... وللخرائطي في المساوئ من طريق الشعبي قلت لابن عمر: إنا ندخل على أمرائنا فنمدحهم, فإذا خرجنا قلنا لهم خلاف ذلك, فقال: كنا نعد هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاقا. وفي مسند مسدد من رواية يزيد بن أبي زياد عن مجاهد أن رجلا قدم على ابن عمر فقال له: كيف أنتم وأبو أنيس الضحاك بن قيس؟ قال: إذا لقيناه قلنا له ما يحب, وإذا ولينا عنه قلنا له غير ذلك. قال: ذاك ما كنا نعده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من النفاق" [1] ، وفي مسند الإمام أحمد: أن عبد الله بن عمر لقي ناسا خرجوا من عند مروان فقال: من أين جاء هؤلاء؟ قالوا: خرجنا من عند الأمير مروان. قال: وكل حق رأيتموه تكلمتم به وأعنتم عليه, وكل منكر رأيتموه أنكرتموه ورددتموه عليه, قالوا: لا والله, بل يقول ما ينكر, فنقول: قد أصبت أصلحك الله. فإذا خرجنا من عنده قلنا: قاتله الله ما أظلمه وأفجره! قال عبد الله: كنا بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نعد هذا نفاقا لمن كان هكذا"."

(1) فتح الباري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت