ولم يقع بينه وبين أحد من أصحابه جفاء، سوى الأشعار التى قالها هو والشرفاء فقد كان بينه وبين الامام أحمد بن سليمان في ابتداء الأمر عداوة ومهاجاة، ثم تلا ذلك تعاطف وتلاطف، وصفاء ووداد، وفى هذا يقول نشوان:
أتعقب النقائض بينى وبين الأشراف الهاشميين، وذلك قبل طرور الشارب [1] ، وبلوغ المآرب، فأما اليوم وقد رددت على الأشد، من الهزل والجدّ، وأتانى نذير الشيب، وزايلنى كل ريب، وتحليت بحلية الوقار، ونظرت نفسى بعين الاحتقار، ودعيت عن القريض، وملاهى معبد والغريض [2] ، وأقمت الشعر، بأبخس السعر، واعتضت القرآن بالشعر بدلا، وتركت الجدال وكان الانسان أكثر شيء جدلا، وذهبت في ذلك مذهب لبيد [3] ، واستبداله الشّهد بالهبيد [4] ، وجعلت مقاطع الآيات، عوضا عن مصارع الأبيات، وذكر الله عوضا عن النسيب، وذكر المعاد عن الربع والحبيب، ولست من
(1) طر الشارب: طلع
(2) معبد بن وهب، نابغة الغناء العربي في صدر الاسلام، أصله من الموالى، ونشأ في المدينة، وأصواته وأخباره كثيرة، وعاش طويلا إلى أن انقطع صوته ومات سنة 126هـ (743م)
والغريض: عبد الملك، مولى العبلات، من مولدى البربر، من أشهر المغنين في صدر الإسلام، ومن أحذقهم في صناعة الغناء، سكن مكة وغنى سكينة بنت الحسين، ولقب «الغريض» لجماله ونضارة وجهه، توفى نحو سنة 95هـ (174م)
(3) لبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل العامرى، أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية، أدرك الاسلام، وترك الشعر، وسكن الكوفة، وعاش عمرا طويلا، وتوفي سنة 41هـ (661م) ، ولم يقل في الاسلام إلا بيتا واحدا، وهو:
الحمد لله إذ لم يأتنى أجلى ... حتى اكتسيت من الاسلام سربالا
(4) الهبيد: الحنظل، أو حبه