الأمير العلامة أبو سعيد نشوان بن سعيد بن نشوان الحميرى المتوفى سنة 573هـ كان معتزليا، فقيها، فاضلا، عارفا باللغة والنحو، والتاريخ وسائر فنون الأدب، فصيحا بليغا، شاعرا مجيدا، له شهرة عالمية شرقا وغربا، فرقعة سلطنته العلمية مترامية الأطراف، تشمل المدن والأرياف، والبقاع والأصقاع، في المشارق والمغارب، وإن ضاقت ساحة حكمه في جبل (صبر) باليمن، الّذي كان تولى حكمه برهة من الزمن، ولو كان اكتفى بماله من سلطان، في عالم العلم والبيان، لما كادت دائرة حكمه الضيقة المحصورة من كل جانب، تغطى على شهرة هذا العالم العالمى الجليل المآرب، لكن لم تحل ولله الحمد دون انتشار أنوار علومه، تلك الحواجز الكثيفة المحيطة بدار حكمه، حيث بقى على منصة الدهر كتابه (شمس العلوم) فى ثمانية مجلدات ذلك الأثر الخالد البديع الّذي استرعى أنظار الأدباء، واستلفتها في كل بقعة إلى نوره الوضاء، الخارق لكل حجاب، النافذ وراء كل سحاب، فأعجبوا به كل الاعجاب، وهو وان كان كتابا في اللغة لكن فيه استطرادات، وافاضات في شتى العلوم بمناسبات، حتى أصبح موسوعة علمية واسعة الآفاق، كثيرة الاشراق، يتشوف إليها أهل العلم في البلاد، ليتزودوا من فوائدها بأفخر زاد.
ونسخ هذا الكتاب غير قليلة في خزانات الكتب في البلدان.
وأما مختصر ابنه لكتاب (شمس العلوم) المعروف ب (ضياء الحلوم) فمجلدان محفوظان في المكتبة العاشرية بالاستانة تحت رقمى (1091) و (1092) .
ومن آثار هذا الامام الفذ: هذه المقامة البديعة المكنية برسالة (الحور العين، عن كتب العلم الشرائف، دون النساء العفائف) كتبها مؤلفها المبدع، ليرتاض بها الناشئ الصغير في كل باب من أبواب البيان، ويزداد بها علم العالم النحرير في كل ساحات العرفان، فأجاد وأفاد، على طريقته في نشر العلم في كل ناد وواد.
وكتب المقامات تكون في الغالب جارية في موضوعات أدبية، روائية خيالية، لا يتوخى فيها مؤلفوها بيان الواقع، في كل المواقع، بل مجرد بيان المعانى، بألفاظ جزلة المبانى، تزويدا للمتأدبين ببلغة، توصلهم إلى الاتساع في اللغة، لكن صاحبنا هذا قد انتهج في مقامته هذه منهج الجد، في كل ما أورد، ناصحا لحاكم نال ثناء المؤلف عليه، وحاز الرضى لديه، وأردف تلك المقامة البديعة بتفسير غريب ألفاظها وشرح معانيها، جائلا فيها كل مجال للكلام، من لغة ونحو وصرف، وعروض وقافية، وأنباء عن الجاهلية وتأريخ، للأديان والمذاهب والنحل، وفقه، وحديث وأمثال، على طريقة مبتكرة في تحبيب شتى البحوث للباحثين، بحيث لا يقدر مطالعها على أن يتخلى عن مطالعتها الى أن يستنفد ما فيها، فيتزود في خطوات مطالعتها بكل معنى شريف، وبحث طريف.