ومن آثار هذا الامام الفذ: هذه المقامة البديعة المكنية برسالة (الحور العين، عن كتب العلم الشرائف، دون النساء العفائف) كتبها مؤلفها المبدع، ليرتاض بها الناشئ الصغير في كل باب من أبواب البيان، ويزداد بها علم العالم النحرير في كل ساحات العرفان، فأجاد وأفاد، على طريقته في نشر العلم في كل ناد وواد.
وكتب المقامات تكون في الغالب جارية في موضوعات أدبية، روائية خيالية، لا يتوخى فيها مؤلفوها بيان الواقع، في كل المواقع، بل مجرد بيان المعانى، بألفاظ جزلة المبانى، تزويدا للمتأدبين ببلغة، توصلهم إلى الاتساع في اللغة، لكن صاحبنا هذا قد انتهج في مقامته هذه منهج الجد، في كل ما أورد، ناصحا لحاكم نال ثناء المؤلف عليه، وحاز الرضى لديه، وأردف تلك المقامة البديعة بتفسير غريب ألفاظها وشرح معانيها، جائلا فيها كل مجال للكلام، من لغة ونحو وصرف، وعروض وقافية، وأنباء عن الجاهلية وتأريخ، للأديان والمذاهب والنحل، وفقه، وحديث وأمثال، على طريقة مبتكرة في تحبيب شتى البحوث للباحثين، بحيث لا يقدر مطالعها على أن يتخلى عن مطالعتها الى أن يستنفد ما فيها، فيتزود في خطوات مطالعتها بكل معنى شريف، وبحث طريف.
تراه عند ذكره لمعتقدات الجاهلية ينحو منحى كتاب البدء والتاريخ لمطهر ابن طاهر المقدسى في توزيع قبائلها على فرق الزيغ من سوى الوثنية، وأوسع ما تعرض له من الموضوعات في هذا الكتاب بحث المذاهب والفرق والنحل، لكنه اقتصر بيانه على أئمتها وأربابها، ومصنفى الكتب وأصحابها، غير مستطرد من الأصول الى الفروع، وغير ذاكر للتابع اكتفاء بذكر المتبوع، وجل عنايته في باب الفرق باختلاف المختلفين من الأنام، في معرفة المعبود والامام، حيث اختصر الاختلاف في غير هذين الوجهين، لكثرة تشعب آراء البشر في هذين الأمرين، فذكر آراء الحكماء في حدوث العالم وقدمه، ومعرفة الصانع وامتناع عدمه، وأقوال طوائف الفلاسفة والسمنية والثنوية والصائبة والدهرية والبراهمة والخرمدينية والمزدكية والزرادشتية وبعض فرق اليهود، ثم تجد إقحام ذكر كتب افلاطون وأرسطو في الوسط، وترجمه أبى الهذيل العلاف المعتزلى المشهور بتوسع، حتى ألم بمناظراته ووصفه بسعة العلم وكبر العقل، ولا عجب في ذلك، لأن كل امرئ معجب بامامه وبعد أن فرغ المطالع من النظر في الصفحات (161145)
المقحم فيها ذكر أفلاطون وأرسطو وأبى الهذيل، يجابهه ذكر البيانية من غلاة الروافض، وسرد باقى فرق الشيعة من جعفرية ومنصورية ومغيرية، ثم يذكر افتراق الجعفرية الى اسماعيلية وفطحية وخطابية، وذكر فروع الاسماعيلية وفروع فروعها، وسائر فروع الجعفرية المختلفين في الإمامة غاية الاختلاف، من زرارية وممطورة واثنى عشرية، ثم يتوسع في ذكر فروع الخطابية وبيان مخازيها في باب تأليههم للأئمة، ومزاعمهم في النبوة، وصلة الاسماعيلية بهم، ويستوفى ذكر باقى فرق الغلاة الخارجة عن الملة، من مغيرية ومنصورية وفروعها، وقد عول في كلامه على فرق الشيعة على كتابى أبى عيسى الوراق وأبى القاسم البلخى.