كثرت حركات المتكاوس فسمّى مخبولا، وأصبح على النقص مجبولا، وطرح من عبّه الضروب، وأفلت شمسه بالغروب، واعتدلت حركات المتواتر، فستره عن الوصم ساتر، والناس للدهر نظام وقصيد، وزروع منها قائم وحصيد وقد تدخل العلل على صحيح الوزن، وتبدّل سهله بالحزن، وربما قطع المذال، فاستراح العذّال، وحذف المشبع، وبشّر بغير السلامة مربع، وإلى النقص غاية التمام، ونغّص اللذات ذكر الحمام، وإقبال الدّهر إدبار، وعجماؤه جبار، لا يطلب في الجناية بضمان، وكم وقع هلك من أمان، كما هلك الضّيزن بابنته النّضيرة، ودلالة نفيضة الجيش والحضيرة، حين هويت سابور، واجتلبت لأهلها الثّبور،
وكان الضّيزن ملكا من قضاعة بالحضر عظيم الملك، فلم ينج بذلك من الهلك، وغزاه سابور ذو الأكتاف الفارسىّ، وللدّهر السهام الصائبة والقسىّ، فأطال عليه مدّة الحصار، وما قدر منه على انتصار، فهمّ عنه بالاقلاع، حتى كان من النضيرة اطّلاع، فرأت سابور فعشقته، فرمت أباها بالحتف ورشقته، وخانته وهى عنده أمينه، وأرسلت إلى سابور أنها له بالفتح ضمينه، وشارطته على النكاح والإيثار، وأعلمته أن عورة الحصن من الثّرثار، وغبقت أباها المدام، وسقت الحرس والخدّام، وأرسلت إليه من شدة الغلمة، عند اعتكار الظّلمة، أن ايت من السّرب، فهذه هى ليلة القرب، فبعث إليها بالأبطال، فقضى الدين بعد المطال، وطلع الفجر على أهل الحصن بالذّما، وبلّت العراص منه بالدّما، فقتل سابور الضّيزن وقومه، ولن يعد معمّر يومه، وبدل الحصن خرابا بحده، وغضارة الأيام إلى مده، وأصبح خرابا تضغو به الثعالب، وللقدر أسباب وجوالب وبات سابور بالنّضيرة معرّسا، وكان في العواقب متفرّسا، فتجافى جنبها عن المهاد، فسألها عما لقيت من السهاد، فشكت خشونة المضجع، ومنعها ذلك أن تهجع، فقال: إنه فراش حشوه زغب النعام، لا ما يتّخذ من وبر الأنعام، ولم تنم الملوك على ألين ولا أوطأ منه، فما تجافيك أيتها المرأة عنه؟ ونظر إلى ورقة من آس بين عكنتين من عكنها، فتناولها فسال موضعها دما من بدنها فقال: بم كان يغذوك أبواك، في طول مقامك معهما ومثواك؟ فقالت: بالمخّ والزبد، وصفو الخمر والشهد فقال: إذا كان هذا حالك عندهما، فلن تصلحى لأحد بعدهما، وينبغى ألّا أركن إليك، وقد فعلت ما فعلت بأبويك! وأمر بها فشدّت ذوائبها بين فرسين فقطعاها، ما رعت الصّنيعة ولا رعاها.
وصلاح الدهر إلى فساد، وكم رحم غابط من الحساد، ولكل أجل كتاب، وليس من الزّمن إعتاب أهون بأمّ دفر، وأيامها الشبيهة بأيّام النّفر، فتنت منها الرجال بكعاب، غير بريّة من ألعاب، تخدع البعولة تحت النكاح، خديعة الزّباء
لجذيمة الوضّاح، وكم وصفها بالمكر بصير، لو يطاع قصير، وحذّر منها نذير، لو ينفع التّحذير، فحبّها للقلوب متيّم، وكل يوم هى من بعل أيّم، كثيرة العشاق والخطّاب، وكل خائب صفر الوطاب، قد دقوا بينهم عليها عطر منشم، وتجشّم الصعب كلّ متجشم، عارية تستردّ من مستعيرها، وعرية يرتجعها معيرها، كم لها من آبر، يعلن بذمّها على المنابر، ومن لائم، وهو بها جدّ هائم، يغدو منها الزّاهد، وهو لضنك العيش مجاهد، فقيل هو للدنيا رافض، وقد ركضه عن الدنوّ منها راكض سمعت في الناس بزاهد واحد، ولا تخفى الغزالة لجاحد، رب الخورنق، في صفو عيش غير مرنّق، فسرّه ما رأى من ملكه العقيم، وميّز بصحيح من الفكر غير سقيم، فقال أو كلّ ما أرى إلى زوال؟ قيل نعم وتقلب من الأحوال، فقال لأطلبنّ عيشا لا يزول، وملكا ربّه عنه غير معزول، فانخلع من ملكه ولبس الأمساح، وذهب في الأرض مترهبا وساح، وحق للعاقل أن يتوب، قبل أن يوافى أجله المكتوب.