ثم ننتقل إلى الشق الآخر وهو أمر القوامة، وما قد يكون من حق الزوج على زوجته، وخاصة موضوع الضرب الذي يذكرونه.
أولًا: الآية القرآنية التي ورد فيها هذا الحكم وردت فيها قبل ذلك مراحل ومراتب، يقول الحق جل وعلا: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء:34] وهنا عدة أمور ينبغي أن نتنبه لها: أولًا: أن هذا الحكم لا يكون إلا بسبب من الزوجة: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} [النساء:34] ، فإن عقت زوجها، أو نفرت منه، أو عصت أمره، أو نكدت عيشه، أو أساءت تربية أبنائه، أو فرطت في حفظ ماله، فالأصل أنه لا شيء عليها إلا إن أساءت ابتداءً، وهذا ما ستوضحه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس الأمر في هذا التوجيه سواء كان بالضرب أو الهجر لهوىً في نفس الرجل أو تحكم أو تسلط منه، وإنما بما قد يقع من خلاف من المرأة فيما أمرها الله به في حق زوجها.
ثانيًا: أن هناك مراحل سابقة: {فَعِظُوهُنَّ} [النساء:34] ، قال الشافعي: وهو قوله لها: اتقي الله فإنه لا يحل لك ونحو ذلك من الوعظ، فإذا انزجرت به لم يجد أن يتجاوزه إلى غيره، فإن لم يجز ذلك نفعًا فإنه يهجرها في مضجعها، والحديث يقول: (ولا تهجروهن إلا في البيت) ، لا يفعل كما يفعل بعض الناس أن يترك لها البيت كما يقولون، أو يشاهدون في التمثيليات، أنه يترك لها البيت وما فيه ويهرب أو يخرج، فليس هذا هو المقصود بهذه الآية، ثم إن لم يجد هذا ولا هذا فلنعلم أن طبائع النفوس تختلف، فامرأة لم تعرف حق زوجها، ولم تقدر قدره، ولم تذكر خيره، ولم تعترف بفضله، ثم عصت أمره، وأعرضت عن وعظه، ثم لم تأبه بهجره، فإن ضربها في مثل هذا الحال فله مشروعية فطرية منطقية عقلية وهي كذلك شرعية.
ثالثًا: هناك مواصفات محددة للضرب، فليس الضرب مصارعة حرة، ولا ملاكمة قاتلة كما قد يفعل بعض الرجال الذين ينسون شرع الله، ولا يتذكرون سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأمر ليس مطلقًا على غاربه، فإن شرع الله محكم، وإن شرع الله عز وجل قد تضمن كل معاني الإنسانية، ومعاني حسن العشرة الأسرية حتى يحفظ مسيرة المجتمع كله.
يقول الرازي في تفسيره: الذي يدل على تخفيف الضرب الابتداء بالوعظ، ثم الترقي منه للهجر في المضاجع، ثم الترقي منه إلى الضرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق.
ثم ما هو هذا الضرب؟ ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عمرو بن الأحوص في السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن حق الزوجة على زوجها؟ قال: (أن يطعمها مما يطعم، وأن يكسوها مما يكتسي، وأن يؤدبها، ولا يضرب الوجه، ولا يقبح، ولا يهجر إلا في البيت) .
وورد عن ابن عباس في تفسير هذا الضرب غير المبرح الذي ورد تصريحًا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: (الضرب بالسواك ونحوه) ، فهل المقصود بالضرب بالسواك هو ذلك التعذيب والإيلام، أو التسلط والتحكم؟ إنه معنى تأديبي، إنه معنىً توجيهي، إنه معنىً فيه إشارة إلى أن الأمر قد بلغ حدًا تجاوزت فيه المرأة ما ينبغي أن تكون عليه.
وورد أيضًا في بعض التفاسير عن هذا الضرب أنه الذي لا يكسر عظمًا، ولا يشوه جارحة كاللكزة ونحوها، وكالضربة البسيطة التي قد تضربها لصديقك وأنت ممازح له.
بل قد ورد في التفسير عن بعضهم: أن يضربها بمنديل ملفوف، معنىً من المعاني وليس ضربًا من الضرب المعروف الذي سيأتي ذكر بعضه.
بل قد ورد في صحيح الإمام البخاري حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه معنىً عظيم، ولفتة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أولئك الذين ينسون أنفسهم، وينسون حق أزواجهم، وينسون حسن العشرة، وينسون ما ينبغي أن تبنى عليه الأسرة، يقول عليه الصلاة والسلام: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم) .
قال ابن حجر في تفسيره: في الحديث استبعاد الجمع بين الأمرين، كيف يضرب ثم يعاشر؟ فإن أراد هذا فليمنع هذا، فإن النفرة تقع في قلب المرأة من ذلك التسلط أو التجبر وليس هو من دين الله عز وجل في شيء.
فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم تعضيدًا لما جاء في التشريع القرآني: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء:19] يقول: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) ، فانظر إلى هذا الحديث العظيم كيف جعل خيريتك في المجتمع المسلم مرتبطة بخيريتك لأهلك، وإحسانك لزوجك وأبنائك وبناتك، إن لم يكن لك خير في أولئك فأي خير يرجى منك لغيره؟! وفي حديث عمرو بن الأحوص قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واضربوهن ضربًا غير مبرح) ، وهذا لفت نظر وتنبيه منه عليه الصلاة والسلام في هذا الشأن وبيانه.
وانظر إلى تطبيق عملي وقع في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والترمذي في سننهما، وصححه الحاكم وابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تضربوا إماء الله، قال: فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - عمر الذي كان يخفق الرجال بالدرة- فقال: يا رسول الله! ذئر النساء على الرجال) -أي: نشزن لما أمن العقوبة أو كما يقال: سحبت الصلاحيات من الرجل أو الزوج- (فأذن النبي صلى الله عليه وسلم بضربهن) أي: بنصف التشريع الذي ذكرناه في مرتبته وقدره وحده (فطاف بأبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء يشكين أزواجهن) وهذا يدلنا على انفتاح المجتمع المسلم، وكرامة المرأة، جاءت تشكو مما قد يكون وقع عليها من ظلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد طاف بآل رسول الله سبعون امرأة، كلهن يشكين أزواجهن ثم قال: ولا تجدون أولئك خياركم) ، هؤلاء الذين يضربون أزواجهم ليسوا من خيار الناس ولا من كرمائهم، أي: إذا تجاوزوا الحد المشروع.
أي كرامة، وأي شخصية، وأي مروءة عند هذا الرجل الذي يضرب زوجته ضربًا مبرحًا لا يتقي فيه وجهًا، ولا يخشى فيه أذىً أو جرحًا، فهذا لا شك أنه قد خرج عن حد المروءة المتعارف عليها بين الناس، الرجل في الجاهلية القديمة كان ربما يعف عن مثل هذا ويترفع عنه، ويقول شاعر العرب في ذلك: سمعت بأقوام يضربون نساءهم ألا شلت يميني حين أضرب زينب الرجل الشهم لا يرى ضرب المرأة إلا لونًا من ألوان الدناءة؛ لأن المرأة بطبعها وضعفها وقدرته عليها ينبغي أن لا يدفعه ذلك إلى مثل هذا.
إذًا: الأمر بسبب خلاف أو تقصير أو مخالفة من الزوجة، ثم قبله مراحل سابقة، ثم هو محدود بمواصفات معينة ليس مطلقًا لمن شاء أن يفعل كما يشاء.
وأخيرًا: فإن له نهاية ملزمة، وله حد يتوقف عنده، وهذا الحد جاء في قوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} [النساء:34] ، أي: زال السبب الذي كان سبب العقوبة: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء:34] .
وتوقف أهل التفسير عند السر في ذكر اسم (العلي والكبير) من أسماء الله في هذا الموضع بالذات، رغم قلة تكرر تلازم الاثنين في خواتيم الآيات، فقال القرطبي رحمه الله: في هذا إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب، أي: إن كنتم تقدرون عليهن فتذكروا قدرة الله، فيده بالقدرة فوق كل يد، فلا يستعلي أحد على امرأته فالله له بالمرصاد فلذلك حسن الاتصاف هنا بالعلو والكبر، وهذا أعظم إنصاف، وأعظم حرية، وأعظم حق يعطى للمرأة، فإن الله جل وعلا جعل مقام العلو والكبرياء الذي له تذكيرًا وتنبيهًا وتهديدًا وزجرًا للأزواج أن لا يتجاوزوا الحد، فإن الله أعلى وأكبر منه.
وزاد الرازي على هذا الوجه وجوهًا أخرى فقال في تفسيره في سر هذا الختم للآية القرآنية: إن النساء عندهن ضعف وعجز عن الانتصاف، فلئن عجزن عنه فإن الله العلي الكبير ينتصف لهن ممن بغى عليهن.
وقال أيضًا: إن الله جل وعلا مع علوه وكبريائه لا يكلفكم أيها الناس إلا ما تطيقون، فكذلك أيها الرجال إن كان لكم علو أو تكبر أو قوة فلا تكلفوا النساء إلا ما يطقن، وكذلك الله جل وعلا مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، فلا تأخذوا النساء إذا رجعن إلى الطاعة إلى غير ذلك من الأسرار الكثيرة التي ذكرت في تفسير هذه الآية، وتنبيه المسلمين إلى الحد الذي ينبغي أن يعرفوه وأن ينتهوا إليه، ولذلك ورد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (استوصوا بالنساء خيرًا، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) ، فهذا كله تذكير وتنبيه للمسلم ووضع لهذا التشريع في مكانه الصحيح، وفي موقعه الذي ينبغي أن يعرفه المسلم.
وقال الإمام ابن حجر في شرحه لبعض هذه الأحاديث: ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإيهام لا يعدل إلى الفعل، يعني: إن كان يكفي التهديد بأني سأفعل وأفعل فتخاف وترتدع وتستقيم فيكفي هذا التهديد عن الفعل، قال: لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن العشرة المطلوبة في الزوجية، إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله عز وجل.
وفي حديث عائشة الذي يرويه النسائي في سننه قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة ولا خادمًا قط، ولا ضرب بيده شيئًا إلا في سبيل الله، أو تنتهك حرمات الله فينتقم لله) .
إذًا: لو تأملنا هذا لوجدنا أن هذه الطاعة للزوج من المرأة في مصلحتها، وهي كذلك في مقابل أمر آخر مهم، وهو