ويوم انجلى غبار المعركة في بدر، وكان بين يدي المسلمين سبعون أسيرًا من صناديد قريش، استشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر، فقال أبو بكر رضي الله عنه: (يا نبي الله! بنو العم والعشيرة والإخوان؛ فإني أرى أن تأخذ منهم فدية، فيكون ما أخذنا منهم قوة، عسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدًا) .
هذه رقة أبي بكر، وهذا لينه، فانظر إلى شدة عمر، وإلى حزمه وقوته رضي الله عنه، لما التفت له الرسول فسأله: (ما ترى يا عمر؟!) ، فقال: والله! ما أرى رأي أبي بكر، قد كان صريحاًَ في الحق، قد كان مخلصًا في النطق، قد كان جريئًا فيما يظنه مصلحة للمسلمين، قال: (والله! ما أرى رأي أبي بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان فأضرب عنقه، وأن تمكن حمزة من فلان -أخ له- فيضرب عنقه، وأن تمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه؛ حتى يعلم أن ليس في قلوبنا هوادة للكفار) ، وهؤلاء كانوا صناديدهم وقادتهم وأئمتهم، ثم تنزل الوحي من فوق سبع سموات يشير إلى أن رأي عمر رضي الله عنه كان رأيًا وجيهًا حكيمًا: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:67] ، هكذا كان عمر رضي الله عنه في مواجهة الكفر والكافرين.