الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
(أوراق عمل) هذا هو عنوان هذا اللقاء مع الدرس التاسع والثلاثين، في يوم الجمعة الموافق الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول عام (1413) ، وهذا الموضوع أحسب أن له أهمية وفائدة جيدة في الناحية العملية، وأول ما أبدأ به هو التنبيه على فوائد العمل، وأعني بالعمل: الخطوات الواقعية الفعلية، إذ القول عمل، والنية عمل، لكني أعني بالعمل: ممارسة الجوارح، والحركة الواقعية في مضمار من المضامير أو ميدان من الميادين.
لماذا نؤكد على أهمية العمل؟ أولًا: لأن القول وحده لا يؤثر، بل من المعلوم أنه إذا كثرت الأقوال ولم تصدقها الأفعال دل ذلك على الضعف والخور، وأشار إلى وجود الفراغ والادعاء، وربما كان سمتًا من سمت المنافقين والفارغين، ولذلك الذي يكثر من الأقوال بلا أعمال يسقط قدره وتذهب مصداقيته عند الناس، سواءً كان هذا القول صادرًا من فرد أو من هيئة أو من دولة أو حتى من منظمات تجمع دولًا عديدة، إذا تكاثرت الأقوال بلا أعمال فإن ذلك دليل الضعف، ويبث في النفوس الخور والعجز، وكما قال القائل: غض المفاوض صوته فتكلم بلسان نار يا كتائب أو دم لم يفهم المحتل من خطبائنا فلتفهموا المحتل ما لم يفهم والخطابة كما يقولون: (رأس مال المعدم) ولذلك قال القائل: إن ألفي قذيفة من كلام لا تساوي قذيفة من حديد فالعمل هو الذي يؤثر في الواقع بشكل أكبر.
والأمر الثاني: هو أن السؤال الأكبر والحساب الأعظم يتعلق بالأعمال أكثر منه تعلقًا بالأقوال؛ لأن الأعمال هي الشواهد الناطقة، والمعالم الشاخصة، فأنت لا تعرف الإنسان كثيرًا بأقواله قدر ما تعرفه بأفعاله، والأعمال هي التي دعانا الله سبحانه وتعالى إليها، وندبنا وبين لنا أنها المنظور إليها والمعول عليها، كما قال الله جل وعلا: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:105] ، لم يقل: قل تكلموا ولا انووا، وإن كانت النية مطلوبة والقول مطلوبًا لكن تصديق العمل هو الأهم، ولذلك قال جل وعلا: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس:14] ، وأيضًا قال جل وعلا: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل:93] ، فالعمل هو الأساس.
الأمر الثالث وهو أكثر أهمية: أن العمل أبلغ أسلوب لعلاج الأخطاء، فكثيرًا ما نذكر الخطأ ونردد القول فيه ونقول: هناك سلبيات وهي كذا وكذا ولا يتزحزح هذا الخطأ، ولا يتغير بهذه الأقوال مهما تكاثرت إلا إن كانت هذه الأقوال أحد طرق العمل ووسائله التي تؤدي إلى التأثير الفعلي، وكما يقال: (بدلًا من أن تلعن الظلام أوقد شمعة) ، فإن إيجاد المنهج الصحيح متمثلًا في نموذج عملي متحرك هو أكبر طريقة لعلاج الأخطاء، فلو تصورنا أننا نقوم بالتربية الإسلامية وبإظهار القدوة العملية فإن تأثيرها يكون أعمق بكثير من الخطب القولية والمواعظ المنبرية.
الأمر الرابع: أن العمل أعظم مواجهة لكيد الأعداء، كثيرًا ما نذكر مؤامرات وخطط الأعداء، وأنهم يريدون كذا، وهم يتآمرون بالليل والنهار ويدبرون كذا وكذا، وكل هذا القول لا يغني شيئًا ولا يغير واقعًا، لكننا إن أسسنا حياتنا وممارساتنا بأعمال تناهض وتخالف مراد الأعداء فإن هذا يكون أبلغ مواجهة وأعظم صفعة في وجه العدو، الذي يرى أنه يدبر ويبذل وينفق ويخطط لكنه لا يجد استجابة، فهو ينشر بيننا الإعلام الفاسد، والأدب المأجور، والفكر المنحرف ثم يفاجأ بأن الجيل الذي يصعد أو الجيل الذي يظهر في هذه الأيام بإذن الله عز وجل جيل لا يميل لهذا الإعلام، ولا يتأثر بهذا الفكر، ولا يتعلق بهذا الأدب، بل عنده من منهج الإسلام وتربية القرآن ما يجعل العقول تأبى هذا الإعلام وترفض هذا الفكر.
كيف تبذل هذه الجهود ثم تأتي الثمرات مخالفة؟ ذلك ناتج عن العمل وتركيزه الذي هو أبلغ شيء في مواجهة كيد الأعداء.
الأمر الخامس: العمل يفجر الطاقات، ويشعر النفس بالرضا والارتياح، وبعض الاستشعار لأداء جزء من الواجب، والذي يقول ويبكي ويصيح لا يشعر أنه قد نفس ما في نفسه حتى يرى أنه قد ساهم في علاج الأمر الخاطئ، أو ساهم في جلب الخير المقصود أو المنشود، فالعمل يجعل النفس راضية، ويبرأ العامل ذمته بين يدي الله سبحانه وتعالى.
وأخيرًا: العمل يقضي على الجدل: فكثيرًا ما تدور المجادلات والمناقشات والمحاورات، ويمتد أمدها ويزداد ويعلو الصوت فيها، ولو أن هؤلاء المتجادلين التفتوا إلى العمل لشغلهم التفكير فيه، والممارسة له، والبذل لأجله، عن مثل هذا الجدل، وأنساهم مواضع الخلاف الهامشية، وأعانهم على الاجتماع على الخير، وتوحيد الجهود، والتعاون على البر والتقوى.
ومن هذا المنطلق نريد أن نعرض بعض أوراق العمل التي تجعل المسلم قادرًا من خلال هذه الآفاق أن يقدم وأن يساهم؛ لأن المشكلة التي نواجهها ونسمعها كثيرًا هي: ما العمل؟ هذه مشكلات ومآسي المسلمين: ما هو العمل؟ هذه المفاسد الموجودة، ما هو العمل؟ هذا القصور الذي نريد أن نتجاوزه ونتلافاه: ما العمل؟ وكل إنسان يظن أن هذا العمل هو كما قيل: وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل يظن أن هذا العمل لا يمكن أن يقوم به إلا جبار من الجبابرة أو عبقري من العباقرة، وأنه يقصر عن هذا ولا يستطيع أن يساهم في مثل هذه الأعمال أو حل هذه المشكلات؛ وذلك لأن تضخيم المشكلات الكبيرة، وتصور أن العمل لابد أن يبدأ من آخر الخطوات لا من أولها، وأن يعالج أعظم المشكلات لا أصغرها؛ هذا الذي يجعل كثيرًا من الناس يحجمون عن العمل، ويرون أنهم غير قادرين، ولذلك هدف هذه الأوراق التي سنعرض بعضًا منها هو أن نبين أن بإمكان كل أحد منا أن يقدم ما يستطيع، وأن هذا القليل يتجمع فيصير كثيرًا، فإن الجبال من الحصى.
لا تحقرن من الذنوب صغيرة إن الجبال من الحصى وأول الغيث قطر ثم ينهمر ونعلم جميعًا أن الأمر القليل إذا دام وتكاثر من عديد من الأفراد يغدو شيئًا عظيمًا، ولو تصورنا أننا طلبنا هنا أو أردنا هنا أن يرفع كل منا صوته بنداء معين لتجلجل المسجد بهذا الصوت، وربما سمعه من هم خارج المسجد، وكان له صدىً كبيرًا.
فهل ترى هذا الصوت صدر منك؟
الجوابلا.
لكن كان لك فيه دور ومشاركة، وهذا هو المطلوب، أن نوسع دائرة المشاركة لكل إنسان على قدر طاقته، فلا يعجز العامي ويقول: لا أستطيع، والذي يستطيع هو العالم، ولا يعجز الشيخ الكبير ويقول: لا أستطيع والذي يستطيع هو الشاب، ولا تعجز المرأة وتقول: لا أستطيع والذي يستطيع هو الرجل، ولا يكون هناك أي إنسان مسلم إلا وله مشاركة ومساهمة بقدر ما يستطيع.