ألسنا نسمع اليوم بشكل مفصل وواضح عن ظلم نظام بغداد وما صنعه، وأن الأسباب التي أدت إلى ذلك هي كيت وكيت وكيت؟ ويعجب المرء! أليست هذه الأسباب موجودة هنا أو هناك بصورة قد تقل أو تكثر؟! أفلا ينطق لسان ليقول: بيدي لا بيد عمرو، ليكن تغييرنا بأيدينا، وليكن إصلاحنا من ذواتنا، ولتكن مراجعتنا قبل أن تأتينا الدواهي مرة أخرى، ونحن نعرف ونوقن أنها حرب لم تنته، وأنها مرحلة في بدايتها، وأن وراءها من الأهداف والخطط والأعمال ما وراءها مما يستهدف كل واحد منا في عقر بيته وفي فراشه الذي ينام عليه.
إنها ليست قضية هينة، ولا حادثة عابرة، ولا أسابيع ثلاثة، ولا قليل من هدم أو قتل أو تدمير، وإن كان المرء يعجب كيف يفرح أولئك الذين فرحوا وبجوارهم دماء إخوانهم وأقربائهم، وبجوارهم وعلى مرأى أعينهم دمار بلادهم؟! ولكنها المشاعر المتناقضة والأحوال المحيرة أحاطت بأولئك.
ولعلي هنا أيضًا أستحضر ما أسلفت القول فيه مرارًا وتكرارًا: الذين كانوا يقرءون أحاديث وأخبار الفتن، والذين كانوا يخدرون الناس بذلك الذي سيبطش بجيوش الروم، وسينهيها، وسيكون كذا، ويقع كذا، ويحصل كذا، ويرسمون صورة من خيال مريض وفهم سقيم ونفس منهزمة، ويضيفون إليها من أضغاث الأحلام وأخلاط الأقاويل ما يضيفون؛ ليكشفوا عن صورة من صور ضعفنا؛ لأننا تركنا ما بأيدينا من كتاب ربنا وسنة نبينا، وأردنا أن نبحث وننسق ذلك مع بعض الروايات الصحيحة وكثيرًا من الروايات الضعيفة بل والموضوعة، بل ويضاف إلى ذلك أخبار من التوراة ومن الإنجيل والعهد القديم والجديد؛ لنقول: إن هذا هو الذي سيحدث؛ رجمًا بالغيب، وتوهينًا للنفوس، ولعلها ليست المرة الأولى، بل قد سبقتها مرات! فهل ستعي الأمة وتعود من بعد لترسم صورًا أخرى، وتحدد تواريخ أخرى، وتعيد مرة أخرى غياب العقل وغياب القلب وغياب المنهج وغياب العمل الصحيح نحو ما ينبغي أن نواجهه تجاه أعدائنا، بدلًا من الكلام والتشقيق؟! ولعلي أذكر أيضًا القضية الكبرى التي تثار الآن، وهي: قضية الشعوب وآرائها وحرياتها وقدرتها على فعل ما ينفعها، وقدرتها على المشاركة في مصيرها، وكل الناس يتحدثون عن غياب دام نحو ثلاثة عقود في العراق، وأدى إلى مثل هذه المأساة أو كان سببًا فيها.
فأين هذا أيضًا من أمر أساسي في ديننا؛ ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمر الإصلاح للحاكم والمحكوم، أمر: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟! أمر الإسلام والإيمان الذي يوجد عزة لا تقبل ذلًا وقوة لا تقبل ضعفًا، وغير ذلك مما أسلفناه وذكرناه.
ولا أود أن أستطرد في هذا؛ فإن فيه بعض الأحزان والجراح، لكنها يقظة إن لم تكن كاملة تامة، فيوشك أن يقول كل أحد وكل مجتمع وكل بلد: أُكلت يوم أكل الثور الأبيض، وما ذلك عنا ولا عن غيرنا ببعيد.