لعلنا نتأمل ونتأمل! فنستمع إلى مدرسة النبوة إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: دخل أبو الدرداء إلى بلاد الشام، ورأى ما رأى، فوقف في أهل الشام مناديًا: يا أهل الشام! أخ ناصح لكم! فاجتمعوا إليه يستمعون، فقال رضي الله عنه وأرضاه: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيدًا، وأملوا بعيدًا، وجمعوا كثيرًا، فأصبح أملهم غرورًا، وجمعهم ثبورًا، ومساكنهم قبورًا.
إنها بصيرة المؤمن الذي يعرف حقائق الأمور، ويدرك ما وراء المظاهر والمفاخر.
فما بالنا اليوم وقد خطفت أبصارنا بهارج الدنيا! ما بالنا اليوم وكأننا لا نحتمل أن نستمع لهذه الكلمات العظيمة الوجيزة! لم يكن ثمة قول كثير، ولم يكن ثمة تفريع وتشقيق للمسائل، لكنها لغة القلوب، وكلمات الإيمان، وفقه الحياة الإيمانية الأخروية؛ تلكم هي النعيم، تلكم هي الحقائق، تلكم هي الخسارة الكبرى التي افتقدناها، فلم يعد أحد يستطيع أن يذكر مثل هذه الكلمات، كم تسمعون من الوعاظ، وكم تسمعون من العلماء، ولا يكاد يجري على ألسنتهم ما يدل على هذه المعاني الإيمانية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وليس ذلك عامًا، لكنه كثير لا يستثنى منه إلا القليل ممن رحمهم الله، نسأل الله عز وجل أن يسلمنا.